أصل كلمة زربية وتسمية أذربيجان

carpetكنا تحدثنا في المرة السابقة عن سبب منع زرابي ونمارق من الصرف أما اليوم فسنخوض في أصل كلمة زربية، وأكثر أهل المشرق ممن عرفت لا يعرفونها في عميّتهم ولذلك فقد لا يفهمون قوله تعالى: (وزرابي مبثوثة) على عكس أهل المغرب. 😎

أصل كلمة سجّادة

وقد يكتفون بكلمة سجاد أو بساط، واشتقاق السجادة واضح، فهي في الأصل بُسُط جُعلت للصلاة في الإسلام. ووزن فعّال من صيغ المبالغة وهو أيضا من أوزان اسم الآلة التي أجاز مجمع اللغة العربية الاشتقاق عليها مثل سخّان وخلّاط ومؤنث لفظه على فعّالة مثل غسّالة وثلّاجة وغلّاية.

يقول صاحب اللسان:

والسَّجَّادَةُ الخُمْرَةُ المسجود عليها والسَّجَّادةُ أَثر السجود في الوجه أَيضاً والمَسْجَدُ بالفتح جبهة الرجل حيث يصيبه نَدَبُ السجود وقوله تعالى (وإِن المساجد لله) قيل هي مواضع السجود من الإِنسان.

وكانت تصنع قديما من سعف النخل كالحصير وتسمى أيضا بالخُمْرة وقيل الخمرة أصغر، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه صلى على الخمرة والحصير من مرويات جمع كبير من الصحابة.


أصل كلمة زربية

الأصل العربي

أما في أصل كلمة زربية، فكنت أعتقد قديما أنها من مادة زرب، لشبهٍ ما يجمعها بالزرب الذي يحاط به، كتداخل خيوط هذه وأغصان ذاك أو لارتباطها بزريبة الغنم أو ربما لشبه الزرب بالمنسج العمودي.

وكذاك يرى William Hoyt Worrell أنها من الزِرب بمعنى القناة ذاك أنها مخططة بقنوات. فيكون معنى الزربية كقولنا المخططة أو الخطيّة.[8] مثل كثير من المسميات المبنية على النسبة.

أما أصحاب المعاجم كاللسان فنقلوا ما روي عن المؤرج (ت 195 هـ) أَنه قال في قوله تعالى: (وزَرابيُّ مَبْثوثةٌ). قال: “زَرابيُّ النَّبْت إِذا اصْفَرَّ واحْمَرَّ وفيه خُضْرةٌ وقد ازْرَبَّ فلما رأَوا الأَلوانَ في البُسُطِ والفُرُش شبَّهُوها بزَرابيِّ النَّبْتِ وكذلك العَبْقَرِيُّ من الثِّياب والفُرُشِ”. وأَزْرَبَ البَقْلُ إِذا بدا فيه اليُبْسُ بخُضرة وصُفْرة.

ورووا أثرا غريبا عن أَبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال: (وَيْلٌ للعَرب مِنْ شَرٍّ قد اقْتَرَبَ وَيْلٌ للزِّرْبِيَّةِ قيل وما الزِّرْبِيَّةُ ؟ قال الذين يَدخُلون على الأُمراءِ فإِذا قالوا شرّاً أَو قالوا شيئاً قالوا صَدقَ) شبَّهَهُم في تلَوُّنهم بواحِدة الزَّرابيِّ وما كان على صَنْعَتِها وأَلوانِها أَو شبَّههم بالغَنَمِ المَنْسُوبةِ إِلى الزَّرب والزِّرْبِ وهو الحظِيرةُ التي تأْوي إِليها في أَنهم يَنْقادون للأُمراءِ ويَمْضُون على مِشْيَتِهم انْقِيَادَ الغَنمِ لراعِيها.

وتصحيح هذه الفرضية يحتاج إلى ما يعضدها كالنظر في بقية اللغات السامية. فإننا نجد في مادة زرب في العربية:

  • معنى التدفق والسيلان وهذا يوافق بقية اللغات السامية وحتى الأرامية زرم ويوافق بحرف الزاي بقية اللغات الأفروأسيوية في الدلالة على الماء أو المطر[z*b]. وقد تكون مرتبطة بإحدى المتغيارات التالية: (زرب ـ سرب ـ رزب ـ ذرف)[بحث]. ولعل من معنى الجريان جاءت لفظة زرب (براء مرققة) في اللهجات المغاربية وتعني الإسراع إن لم يكن تحوّرا في المعنى التركي للفجأة.
  • معنى الإحاطة أو الجمع والحصر، وهو كذلك معروف في الآرامية (ܙܪܒܐ). (ومادة حصر تفتح الباب للتساؤل عن تطور كلمة حصير).
root_zrb

Hebrew in Its West Semitic Setting, p.169

في معجم الجذور أعلاه يضيف معنى غريبا في الآرامية إلى جانب الخط والصفّ وهو تقليم الصوف في الأحذية، وهو ما لم أتأكد من معناه. فإن صحّ ارتباط هذا المعنى مباشرة بالحياكة أو مراحلها أوشك أن يثبت أصلها السامي.

أما معنى المزراب فيربط بين معنى السيلان بمعنى الجمع والحصر. وفي العبرية zarbubit تعني فم الإبريق.


الأصل الحبشي

أما القول أنها من الجعزية زربت ዘርቤት أو زرب ዘረበ بمعنى داس فقد اعتبر عالم اللسانيات السامية والإثيوبية Wolf Leslau هذا الفعل من العربية.[8]


الأصل الفارسي

وذهب غيرهم إلى ردّ معنى الألوان في مادة زرب إلى الفارسية، وهو ما ذهب إليه المحقق الشيعي الإيراني حسن المصطفوي في كتابه: التحقيق في كلمات القرآن الكريم الذي يقع في 14 مجلد يقول في مادة زرب (ج4 ، ص335-337):

وأمّا الزربية والزرابي: فالظاهر كونها في الأصل مأخوذة من لغة فارسيّة وهي: زربفت، أي المنسوج من ألياف ذهبيّة.
فالزربيّة: عبارة عن منسوجات خاصّة غالية تستعمل في البسط المخصوصة من الطنافس والنمارق والفرش. ويدلّ على هذا المعنى تفسيرهم الزربيّة بالقطع الحيرى وما كان على صنعته.
ولا يبعد أن تكون كلمة- زرياب- بمعنى الأصفر من كلّ شي‌ء أو من النبت مأخوذة من الفارسيّة أيضا وهي- زردياب ، أي وجدان الأصفر.
{وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} [الغاشية : 15 ، 16] أي منسوجات عالية غالية منتشرة في مجالسها للفراش واللحاف والبساط وغيرها.

وزربفت التي ذكرها تعني المقصب ( نسيج ناعم موشى بخيوط ذهبية أو فضية أو غيرها). وحتى كلمة مقصّب أو القصب/القصبي كما يذكرها صاحب اللسان فيها دلالة على نبات القصب مثلما قد يكون للزبية دلالة على النبات الملون والأغصان اليابسة التي يزرّب بها.

 


النسبة الأذرية

إلا أن العلامة التونسي الطاهر بن عاشور أشار إلى رأي آخر، وهو أنها نسبة إلى بلدها مثلما سميت البُسطُ أيضا بالقطوع الحيرية [ذكرها الخليل] نسبة للحيرة وبلاد فارس، وبمثل هذا سميت السيوف بالحيرية والهندية والمشرفية. يقول ابن عاشور في تفسير سورة الغاشية:

و {زرابيّ}: جمع زَرْبيَّة بفتح الزاي وسكون الراء وكسر الموحدة وتشديد الياء، وهي البساط أو الطُنفسة (بضم الطاء) المنسوج من الصوف الملون الناعم يفرش في الأرض للزينة والجلوس عليه لأهل الترف واليسار.
والزربية نسبة إلى (أذربيجان) بلدٍ من بلاد فارس وبخَارى، فأصل زربية أذربية، حذفت همزتها للتخفيف لثقل الاسم لعجمته واتصال ياء النسب به، وذَالها مبدَلة عن الزاي في كلام العرب لأن اسم البلد في لسان الفرس أزربيجان بالزاي المعجمة بعدها راء مهملة وليس في الكلام الفارسي حرف الذال، وبلد (أذرْبيجان) مشهور بنعومة صوف أغنامه. واشتهر أيضاً بدقة صنع البُسُط والطنافس ورقّة خَمَلها.

azeri_carpets

زرابي أذربيجان

والسجاد الفارسي والأذري خاصة شهير في العالم القديم شهرته في الحديث. وقد وجدت بحوث أركيولوجية في أذربيجان بعض بقايا النسيج كالصوف والقطن تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد. وبالمناسبة فإن أقدم سجاد عثر عليه Pazyryk carpet يعود إلى الألف الأولى في قبر سيبيري. ويعتقد أنه نُسج في نواحي فارس.

ويذكر الرحالة والمؤرخون أن أذربيجان كانت مركزا ضخما لنسيج الزرابي. كما نقل ذلك الرحالة الصينى “هوان تيس أنك” في القرن السابع الميلادي. وذكر جودتها المؤرخ الألباني موسى كالنكاتوي Moses Kalankatuy في القرن السابع-الثامن، وذكر صناعة النسيج الحريري والزرابي المتعددة الألوان في شمال أذريبجيان واستعمالها من طرف النبلاء. وتحدث عن ذلك أيضا المؤرخون المسلمون مثل أبي جعفر الطبري (ق.9-10م) والمقدسي وغيرهم كثير.[1]

وحديثا دخل السجاد الأذربيجاني التقليدي المعروف بتعقيده وزخارفه وجودته ضمن التراث الإنساني لليونسكو سنة 2010. والذي ساهم في تطور هذه الصناعة أنها منطقة رعوية وفيرة بإنتاج الصوف.

زرابي_أذرية

متحف السجاد الأذربيجاني “زخارف بلد الأنوار” في إحدى قاعات المركز الثقافي الأذربيجاني لسفارة أذربيجان في طشقند

واليوم من الناحية الجغرافية فإننا نتعامل مع منطقتين تسميان بأذربيجان، الأولى هي إقليم داخل إيران وبها مدينة تبريز وهي أيضا مشهورة بسجادها والثانية هي جمهوريةٌ شمال إيران كانت تابعة للإتحاد السوفياتي. ويبقى أن كلاهما يتحدث اليوم لغة تركية تسمى بالأذرية وكلاهما ذو غالبية شيعية.

azeri_language

خارطة المتحدثين باللغة الأذرية التركية، اللون القاتم يشمل تقريبا إقليم أذربيجان التاريخي

وتسميتها بأذربيجان قديمة عند العرب، يقول الشماخ (مخضرم جاهلي وله جهاد في فتوح العراق) :

تَذَكَّرْتُهَا وَهْنًا ، وَقَدْ حَالَ دُونَهَا ** قُرَى أَذْرَبِيجَانَ الْمَسَالِح وَالْحَالِي

وقد جاء في ذلك أثار صحاح في فتح فارس وأذربيجان وأرمينية وهو اسمها عند أصحاب السيّر، وكذلك هي النسبة بأذري قديمة، وقد روى أبو نعيم في الحلية والطبراني في معجمه الكبير أثرا عن أبي بكر – رضي الله عنه – في مرض موته عن فتح الدنيا عليهم فقال: (وستُنَجِّدون بيوتكم بسور الحرير، ونضائد الديباج، وتألمون ضجائع الصوف الأذري) وفي رواية: (لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير ولتألمن النوم على الصوف الأذري كما يألم أحدكم النوم على حَسَك السعدان). قال المبرد (ق3هـ): الأذري منسوب إلى أذربيجان. ونقله بعضهم لفظه بـ (الصوف الأذربي).

 وهو يومئذ من أجود أنواع الصوف، فكأنه يقول لهم ستعتادون رغد العيش ورقته والحرير والديباج حتى أنكم لتتألمون من اضطجاعكم على الصوف الناعم. وقد ذكر الهيثمي هذا الأثر في مجمع الزوائد وقال: فيه علوان بن داوود البجلي وهو ضعيف.

etymology_2_of_zarbiyyah

ملخص الفرضية الأخيرة

أصل مسمى أذربيجان

لا أعلم إن كان ابن عاشور أول من سبق لذلك لكنه يدل على نباهة الشيخ بإيراده لهذا التأثيل وهو ما لم يذكره غيره في التفاسير. ذلك أن كلمة أذربيجان حقيقةً مركبةٌ من أذرب (أدرب، أترب، أثرب) أو أزرب كما تنطقها الفرس والشعوب التركية. في حين سماهم الإغريق قديما اترپــات (Āturpāt) ثم دخلت عليها الاحقة الفارسية القديمة للصفة akan- لتصير بلدهم Aturpatakan أو Ādurbādagān ومنها تحوّلت إلى Azerbaijan أذربيجان[3][4]. وهناك فرضية أخرى تربطه بالأصل الديني[6] وتزعم أن أصل مسماها مركّب من الفارسية: آذر ‎Āzar وتعني النار؛ و پایگان Pāyegān وتعني الحارس أو الحامي فيكون بذلك معنى آذرپایگان (Āzar Pāyegān) حماة النار أو حراسها، أو المحمي بالنار[5] أو بمعنى أرض النار أو معبد النار أو بيت النار كما نقل الحموي. ويذكرون أيضا أنه بفعل تحوّر الألسنة وتأثير المسمى العربي الذي قلب الأصوات (P و G و Zh) صارت أذربيجان. وهذا ما مال إليه ياقوت الحموي (معجم البلدان ص. 128):

قال النّحويون: النسبة إليه أذريّ، بالتحريك، وقيل: أذري بسكون الذال، لأنه عندهم مركب من أذر وبيجان، فالنسبة إلى الشطر الأول، وقيل أذربي، كلّ قد جاء. وهو اسم اجتمعت فيه خمس موانع من الصرف: العجمة، والتعريف، والتأنيث، والتركيب، ولحاق الألف والنون، ومع ذلك، فانه إذا زالت عنه إحدى هذه الموانع، وهو التعريف، صرف، لأن هذه الأسباب لا تكون موانع من الصرف، إلا مع العلمية، فإذا زالت العلمية بطل حكم البواقي، ولولا ذلك، لكان مثل قائمة، ومانعة، ومطيعة، غير منصرف، لأن فيه التأنيث، والوصّف، ولكان مثل الفرند، واللّجام، غير منصرف لاجتماع العجمة والوصف فيه، وكذلك الكتمان، لأن فيه الألف والنون، والوصف، فاعرف ذلك. قال ابن المقفّع: أذربيجان مسماة باذرباذ بن إيران بن الأسود بن سام بن نوح، عليه السلام، وقيل:
أذرباذ بن بيوراسف، وقيل: بل أذر اسم النار بالفهلوية، وبايكان معناه الحافظ والخازن، فكأن معناه بيت النار، أو خازن النار، وهذا أشبه بالحقّ وأحرى به، لأن بيوت النار في هذه الناحية كانت كثيرة جدّا.

وعلى كلّ فالنسبة تجوز إلى أذري وأذربي. والشيخ ابن عاشور -رحمه الله- معروف بموسوعيته وغزارة قراءاته وحسّه العالي في ترجيح الأقوال اللسانية.

وأدعوكم للبحث عن صور زرابي أذربيجان وقد أقترح عليكم مقالا يعرّف بميزاتها:

Azerbaijani Carpets: 9 things you need to know about them before buying, L’Essenziale Home Designs


لقراءة أصل كلمة نمرقة وطنفسة.

وسؤال ثانٍ أطرحه، وقد تعمّدت أن أنوّع النسبة بين أذري وأذرَبيجاني على القياس، فما صحت هذا الأخير؟


This was a short study of the different etymologies given to the Arabic word zarbiyyah “Carpet”, by me: Nabil Al-Waghlisy


Ref. (en)

  1. Roya Taghiyeva (2009) The art of Azerbaijani carpet weaving in the context of the intercivilizational dialog, The Caucasus and globalization.
    Roya Taghiyeva, is D.Sc. (Art History), professor, director of the Karimov State Museum of Azerbaijani Carpets and Decorative Applied Arts, chairman of the Azerbaijani National Committee of the International Council of Museums (ICOM) (Baku, Azerbaijan).
  2. Office of communication of Azerbaijan Association “OCAZ” (2014), Carpets of Azerbaijan
  3. Schippmann, K. (1989), “Azerbaijan III: Pre-Islamic History”Encyclopaedia Iranica3.1, London: Routledge & Kegan Paul.
  4. Houtsma, M. Th. (1993). First Encyclopaedia of Islam 1913–1936 (reprint ed.). BRILL. ISBN 978-90-04-09796-4.
  5. Chaumont, M. L. (1989), “Atropates”Encyclopaedia Iranica3.1, London: Routledge & Kegan Paul. He indicates the meaning of being “protected by fire”.
  6. قد يؤيد هذه المعاني الدينية، من يرى ورود لفظة Atare-pata في نشيد للأرواح الحامية (FRAWARDIN YASHT) من أبستاق الزردشتية لكنه مجرد استقراء ظني.

  7. Worrell, William Hoyt (1934), “On Certain Arabic Terms for “Rug””, in Ars Islamica, volume 1, issue 2, DOI:10.2307/4515478, pages 220–221. He defines it as “rug streaked with canals” or “striped rug”.
  8. Leslau, Wolf (1991) Comparative Dictionary of Geʿez (Classical Ethiopic), 2nd edition, Wiesbaden: Otto Harrassowitz, →ISBN, page 643

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s