أصل مسمى وغليس

مما قرأت قديما: فرضية تقول أن أصل تسمية عرش الوغليسيين راجع لتحور عن التركية “كول أوغلي” أو ما يسمى بالكراغلة. ويقال أن مولود قايد هو من ذكرها في كتابه Les berbères dans l’histoire الجزء الثالث، ص40. ولكوني لا أملك الكتاب فلا يسعني لذلك معرفة منطلقاته. لكني سأبيّن أن هذه الفرضية باطلة من عدة وجوه.

الأول، أن الوجود التركي لم يتعمّق في منطقة بلاد القبائل من أوّله، وحكم القائد في بجاية كان محصورا على المدينة وإدارة الجبايات من الشيوخ التقليديين [1]. وقد بدأت سيطرة العثمانيين على ميناء بجاية بعد معركة مدينة بجاية (1555م) بين الإسبان والرايس صالح العثماني إلى جانب دعم الحسين أوالقاضي أمير سلطنة جرجرة أو كوكو (1515-1750م)، وعرش بني وغليس يقع في منطقة جبلية للصومام تبعد عن البحر حوالي 50 كم. مع العلم أن منطقة بلاد القبائل لم تخضع بصفة كلية للحكم العثماني وقد كانت مقسمة إلى جانب سلطنة كوكو إلى سلطنة آيت عباس (1510–1872) ودارت حروب طاحنة بينهم وبين العثمانيين لم تنقص حدتها إلى في آواخر القرن الثامن عشر. كما لا يعرف لحلف بني وغليس ولاء خاص مع العثمانيين ولا فيهم آثار خاصة، بل كانوا حلفا ذا كيان مستقل[2]. كما أن تسمية العرش ليست شيئا حادثا إثر الإدراة الفرنسية، لأننا نجد الفرنسيين يذكرون مسمى العرش ببني وغليس فور دخولهم ويحصون ما تحته من القرى والرجال والسلاح، ويصنفونها في جملة القبائل الواقعة على يمين الصومام[3]. وطبعا لم تكن ديموغرافيا العرش ثابتة، فالهجرات من قرى إلى أخرى أمر شائع في المنطقة، خاصة زمن الحروب.

ثانيا، المادة اللغوية المحلية قد تفسّر معنى الكلمة وأصولها، دون إحواجنا إلى البحث عن أصل يوناني مفترض أو تركي بعيد.

ثالثا، وأهمها هو التوثيق القديم للمسمى فإن النسبة إلى وغليس مذكورة معروفة وقد كانت مستعملة قبل نشأة الدولة العثمانية حتى في بداية القرن الثامن هجري. وقد نقلت تراجم الوجهاء والسادة المالكية جملة من علماء القرن السادس حتى الثامن هجري نسبتهم إلى وغليس، أذكر على سبيل المثال محمد بن إبراهيم الوغليسي والشيخ عبدالرحمن أبو زيد الوغليسي (ت786هـ) فقيه مصره وصاحب المقدمة الوغليسية وقد شرحها عنه جملة من أعيان أهل زمانه ومن جاء بعده. وهو شيخ شيوخ الثعالبي (ت875هـ) صاحب الجواهر الحسان في تفسير القرآن، والإمام المجاري (ت862هـ) صاحب البرنامج المعلوم.

1- أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الوغليسي (من أعيان القرن السادس والسابع)

يذكر أبو العباس الغبريني (644 – 714 هـ) المؤرخ في عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية في ترجمة  محمد بن إبراهيم الوغليسي.

ومنهم، الشيخ الفقيه، الخطيب العارف المحصل، المحكم الضابط، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الوغليسي كانت له نباهة ووجاهة ونزاهة ورفعة وهمة، وهو أحد المقتدى بهم والمعول عليهم، وكان عالما بالكتابتين الأدبية والشرعية متقدما عليها وعليه كان المعتمد في وقته في المخاطبات السلطانية إنشاء وجوابا، وعليه كان اعتماد القضاة في التسجيلات، وإليه كان يهرع أهل البلد فيما يحتاجون إليه من الوثائق المحكمات والأمور المستغربات وولي الخطابة بجامع القصبة المحروسة من بجاية، وكان فصيح القلم واللسان بارع الخط. ولقي أبا محمد عبد الاشبيلي والقاضي أبا علي المسيلي والأستاذ أبا زيد عبد الرحمن بن الحجري وكان شيخنا أبو محمد عبد الحق كثير الإجلال له والتعظيم لقدره، وكان يعده من أشياخه رضي الله عنهم أجمعين.

لقي أبا محمد عبد الحق الإشبيلي (514 هـ -581 هـ) وهو من أعيان القرن السادس. وقد ذكره أيضا ابن أبي أصيبعة (600-668هـ) في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء في ترجمة أبي عبد الله بن الكتاني:

قَالَ وقرأت فِي بعض تآليفه أَنه أَخذ صناعَة الْمنطق عَن مُحَمَّد بن عبدون الْجبلي وَعمر بن يُونُس بن أَحْمد الْحَرَّانِي وَأحمد بن حفصون الفيلسوف وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم القَاضِي النَّحْوِيّ وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن مَسْعُود البجائي وَمُحَمّد بن مَيْمُون الْمَعْرُوف بمركوس وَأبي الْقَاسِم فيد بن نجم وَسَعِيد ابْن فتحون السَّرقسْطِي الْمَعْرُوف بالحمار وَأبي الْحَرْث الأسقف تلميذ ربيع بن زيد الأسقف الفيلسوف وَأبي مرين البجائي وَمُسلمُهُ بن أَحْمد المرحيطي

وذكره أيضا في ترجمة ابن رشد الحفيد (520 هـ- 595 هـ)، فقال:

ثمَّ أَن الْمَنْصُور فِيمَا بعد نقم على أبي الْوَلِيد بن رشد وَأمر بِأَن يُقيم فِي اليسانة وَهِي بلد قريب من قرطبة وَكَانَت أَولا للْيَهُود وَأَن لَا يخرج عَنْهَا
ونقم أَيْضا على جمَاعَة أخر من الْفُضَلَاء الْأَعْيَان وَأمر أَن يَكُونُوا فِي مَوَاضِع أخر وَأظْهر أَنه فعل بهم ذَلِك بِسَبَب مَا يَدعِي فيهم أَنهم مشتغلون بالحكمة وعلوم الْأَوَائِل
وَهَؤُلَاء الْجَمَاعَة هم أَبُو الْوَلِيد بن رشد وَأَبُو جَعْفَر الذَّهَبِيّ والفقيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم قَاضِي بجاية وَأَبُو الرّبيع الكفيف وَأَبُو الْعَبَّاس الْحَافِظ الشَّاعِر القرابي
وبقوا مُدَّة ثمَّ أَن جمَاعَة من الْأَعْيَان بأشبيلية شهدُوا لِابْنِ رشد أَنه على غير مَا نسب إِلَيْهِ فَرضِي الْمَنْصُور عَنهُ وَعَن سَائِر الْجَمَاعَة وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
وَجعل أَبَا جَعْفَر الذَّهَبِيّ مزوارا للطلبة ومزوارا للأطباء

وهذه الرواية تبيّن أيضا أن محمد بن إبراهيم الوغليسي كان من معاصري ابن رشد الحفيد، فهو بهذا من أعيان القرن السادس وقد سبق ولادة الدولة العثمانية بقرابة القرنين ودخولهم بجاية بأربعة قرون.

2- عبد الرحمن الوغليسي (من أعيان القرن الثامن)

سأكتفي فقط بإثبات ورود نسبته سواء من كتب تلامذته أومن كتب التراجم السابقة للهيمنة العثمانية وتوسّع إيالة الجزائر، وسنأخذ كمرجع فتح ميناء بجاية (لأن العامل المملوكي غير معروف) أي ما قبل القرن السادس عشر ميلادي الموافق لنهايات القرن العاشر هجري:

وقد جاء في وفيات ابن قنفذ القسنطيني وهو من معاصريه (ت 810هـ)

وفي سنة ست وثمانين وسبعمائة توفي الشيخ الفقيه الصالح المفتي أبو زيد عبد الرحمن الوغليسي ببجاية.

ويقول الثعالبي في ترجمته لنفسه:

رحلت في طلب العلم من ناحية “الجزائر” في آخر القرن الثامن، فدخلت “بجاية” عام اثنين وثمانمائة، فلقيت بها الأئمّة المقتدى بهم في العلم والدين والورع، أصحاب الفقيه الزاهد الورع عبد الرحمن الوغليسيّ، وأصحاب الشيخ أبي العبّاس أحمد بن إدريس متوافرون يومئذ، أصحاب ورع ووقوف مع الحدّ لا يعرفون الأمراء، ولا يخالطونهم، وسلك أتباعهم مسلكهم، كشيخنا الإمام الحافظ أبي الحسن عليّ بن عثمان المنجلاّتي، وشيخنا الوليّ الفقيه المحقّق أبي الربيع سليمان بن الحسن، وأبي الحسن عليّ بن محمّد البليلتي، وعليّ بن موسى، والإمام العلاّمة أبي العباس النقاوسيّ، حضرت مجالسهم، وعمدتي على الأوّلين.

تفسير الثعالبي، ج1، ص11، تحقيق علي معوض

ثم يواصل بعد ذلك، ذكر رحلته إلى تونس ثم نحو المشرق. وقد نقل ترجمته هذه أيضا التنبكتي (963- 1036هـ/ 1556- 1627م) في تراجم “نيل الابتهاج بتطريز الديباج” في ترجمة عبد الرحمن بن أحمد الوغليسي البجائي.

فإننا نجد إذن أعيان القرن الثامن ومن جاء بعدهم ينسبه صريحا لوغليس، وله مقام فيه معروف إلى اليوم.


[1]

[2] صالح عباد في كتاب الجزائر خلال الحكم التركي 1514 – 1830، ص503

[3] Tribus de la rive droite de la Nasava, Revue de l’orient et de l’Algérie (1847), p428,


Keywords: Origine de l’étymologie de la confédération des tribus d’Ait Waghlis, Bni Ouaghlis, Tribue d’At Waghlis, Ath Ouaghlis.

Origine de l’appellation Béni Ouaghlis (Ath waghlis)


ومن يتتبع أسماء هذه التراجم القديمة سيجد اشتهار الكثير من الأسماء الجزائرية مثل باديس وألقاب عائلات معروفة اليوم مثل البوزيدي. مما يعني أن الكثير من الأسماء تم إدراجها على أصلها أيام الإدراة الفرنسية. وكما رأيتم فإن اسم الجزائر ونقاوس وآيت منقلات وغيرها كالمشذالي والزواوي (مثل ابن معطي صاحب الألفية) كانت مستعملة متداولة قبل أكثر من 8 قرون. وقد صادفتني أيضا الكثير من الأسماء التي تبدأ بصيغة بو مثل بوختوش (كوكو) وبورنان (مثل بورنان المقراني في القرن الثامن عشر).

يبقى علينا لاحقا إن شاء المولى أن نبحث عن أصل المسمى ومعناه، وسنرى إن كان بالإمكان ربطها بمشتقات أغيلاس سواء عبر مادة غلس أو غرس. كما ينبغي عرض هذا الأمر في نقاش ويكي كي نعرف رأي المشاركين ونصحح المعلومة.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s