أصل كلمة دلاع

البطيخ من القرعيات المحبّة للمناطق الحارّة، وقد تنوّعت مسمياته في العالم العربي على قدر أنواعه، وسنتناول هنا تأثيل أشهر أنواعه في الجزائر.

algerian_melons

الدلّاع (الجزائر، تونس، ليبيا، المغرب)، وقد يحوّر إلى دلّاح (في المغرب الأقصى).

هناك فرضية تقول أنها من أصل أمازيغي بافتراض أن العين الأخيرة صوت طارئ وأن جذرها من دل ويعني أخضر بسبب لونه. [تاوالت] وهذا لا يصحّ لأن هذه الكلمة قديمة التوثيق في المشرق بمعنى البطيخ ولعلها استعملت لأكثر من نوع لذلك جاء في لسان ابن منظور (ق.7هـ): “والدُّلاَّعُ نَبْتٌ”، وقد اشتهرت هذه التسمية في بلاد المغرب والأندلس فنجد ذكرها في كتب متقدميهم. نحو:

  • مقالات الزهراوي (936–1013م) في كتابه التصريف لمن عجز عن التأليف ومخطوطاته.
  • تقويم قرطبة سنة 961م المنسوب إلى عريب بن سعد القرطبي وربيع بن زيد الأسقف.
  • أبو عبيد البكري الأندلسي (487هـ / 1094م – 404 هـ / 1014 م)، في كتابه وصف افريقية.
  • الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن بيطار (593 هـ / 1197م – 646 هـ / 1248م)، وقد ذكره في أكثر من موضع كحديثه عن البطيخ الهندي قال: “هو البطيخ السندي وهو الدلاع أيضا”.
  • في معجم شياباريلي اللاتيني-الأندلسي والذي ترجع أصل مخوطته إلى القرن الثالث عشر ميلادي. تحت باب دُلَّعة و دُلَّع Citrullus / Citrulla بمعنى بطيخ هندي.
  • المعجم العربي-القشتالي لـ پـيـدرو القلعاوي (1505م).
    ثم توالى ذكرها عند المتأخرين:
  • فصرّح بها الزبيدي صاحب تاج العروس (ق.18م): “الدُّلاّع، كرُمّان: نَبَتٌ وأَيْضاً البِطِّيخُ الشّامِيّ بُلغَة المَغْرِب الوَاحِدَةُ بِهَاءِ”. يقصد أن دلّاع اسم جنس ومفرده دلّاعة بالتاء.
  • معجم إلياس بقطر القبطي (ت 1821م) المصري-الفرنسي.
    إلى آخره

وهو ما يلخّصه دوزي في تكملة المعاجم (1883م) فيما يلي مع ذكره أن الكلمة كانت مستعملة قديما في الشام:

دُلْعَة وجمعهُ دُلَّع: وردت في معجم فوك بمعنى اليقطين. ومع ذلك فإني أرى أنها نفس الكلمة التالية التي تعني نفس الفاكهة (أي البطيخ) وذلك لانا نجد في معجم هلو أيضاً دلعة بمعنى دلاعــة. (الترجمة العربية المطبوعة مغلوطة في هذا الباب وجعلت البطيخ/القرع شجرة الإترج).
دُلاُع، واحدته دُلاّعــة وهو في المغرب بمعنى رقي، دبش، جبس، بطيخ أحمر، حبحب. (الكالا، بوشر، البكري ص21، تعليقات تورنبرج على كرتاس ص21) وهو فيما يقول مصنف المستعيني البطيخ الهندي وهو السندي (ومن هذا أخذت الكلمة الأسبانية سنديا (انظر معجم الأسبانية). وفي تقويم قرطبة (ص83): الــدلاع هو الهندي، حيث نجد في الترجمة القديمة: الدُلاهة وهي السنديا). ويسمى الــدلاع أيضاً في فلسطين، وحسب قول الزهراوي في الشام. وهو دلاّع حسب ألكالا، وشو (1: 217) ودومب (ص71) وهو دَلاّع في قول آخرين.

كما أن الكلمة قديمة التوثيق في العبرية مما يعزز شيوعها في الشرق الأوسط ولعلها مادة سامية، ففي العبرية يسمى القرع أو اليقطين دلّوع (דלוע). في حين أن عائلة القرعيات تسمى اليوم دلوعيم (דלועיים -gourd).

يذكر هذا القاموس العبري لمفردات العهد القديم أن جذرها يدلّ على الشيء الثخين أو المنتفخ، ومنه معنى اليقطين ويذكر أن كلمة دلعة (דלעת) وردت في الترجوم وفي الميشناه [سيفاريا] (التي يفترض أن كتابتها انتهت في القرون الأولى للميلاد!).

ولعل في مادة دلع في العربية ما يفسّر معناها أيضا، فهي تدل على خروج الشيء وبرزوه مثل دلوع اللسان إذا خرج يلهث أو دلوع البطن إذا برز. ومنه سمّوا نوعا من الصدف يخرج منه شيء كهيئة خروج اللسان الدلاع أو الدّوْلَعة كما نقل ذلك الأزهري (282-370هـ) في تهذيب اللغة عن أبي عمرو الزاهد تلميذ ثعلب (261-345هـ) قال:

وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الدَوْلَعة: صَدَفة متَحوّيَة إِذا أَصَابَهَا ضَبْح النَّار خرج مِنْهَا كَهَيئَةِ الظفر فيُسْتَلُّ قدر إِصْبَع، وَهُوَ هَذَا الأظْفار الَّذِي فِي القُسْط. وَأنْشد للشَمَرْدَل: دَوْلَعَة تستلُّها بظفرها

والشمردل بن شريك اليربوعي التميمي شاعر أموي، كان في أيام جرير والفرزدق (نهاية القرن الأول هجري).


الفقّوس، ويقصد به في الجزائر البطيخ الأصفر، وهو إن كان عربي الأصل فمادته لغة معروفة من فقص لما كان بيضويا أو كروي الشكل. وتستعمل في الشام إضافة إلى المغرب كنوع من البطيخ، في حين يقصد بها في مصر نوع من القثاء. والأمر الجامع بينها تشابه نباتها وكونها من القرعيات.

يقول صاحب اللسان (ق7هـ): (والفقُّوصةُ : البِطِّيخةُ قبل أَن تَنْضَج).

الكانتالو أو بالفرنسية Cantaloup وهو الشمّام ترجع تسميته إلى مدينة كانتالوبو Cantalupo الإيطالية والتي اشتهرت بزراعة هذا النوع، وقد عرفت مزارع البابا به. ويذكر أنه استقدم من أرمينيا.

بطيخ وهي كلمة عربية قديمة ومعروفة في اللغات السامية المجاورة مثل الأرامية אבטיחא وعبرية الكتاب المقدس: أبطيخ avateeakh (אֲבַטִּיחַ).


دلّاع

الدلّاع

مع العلم أن نوعية البطيخ المشهورة سابقا في الجزائر كانت ذات أخضر فاتح ولم تكن خطوطها قاتمة شديدة البروز، وحين ظهرت النوعية الجديدة القاتمة سميّت بالبارا para أو الفرقة العسكرية الخاصة (اختصار parachutistes أو الفرقة المظلية) بسبب تشابه ألوانها التعتيمية . وكذلك نوعية الشمام فإن لونها كان فاتحا وبلا خطوط.

 
 

وكلمة قرع أعطت لللهجات المغاربية مسمى جديد هو القرعة بمعنى قارورة لأجل شكلها واستعمالها قديما، مثلما أعطت كلمة Gourde (القرع) معنى القارورة في اللغة الفرنسية. وهي مرتبطة أيضا بـ Gourge أو gourgette أو القورجات (القرع الصغير) وهي ما يستعمل في اللهجة الجزائرية للكوسا.

ورحلة بطيخاتنا لم تنته هنا ومثلما أخذنا فقد قدّمنا أيضا، وقد انتقلت كلمة بطيخة batekha أيام الأندلس إلى اللغات الأوروبية، فنجدها في البرتغالية: pateca والتي بدورها انتقلت إلى الفرنسية pastèque.  وقد استعار أيضا علماء النبات والمشتغلون في ذلك باللاتينية في القرون الوسطى تسميتها من الاستعمال العربي مثل batheca arabica أو batheca inda أي البطيخ الهندي أو بطيخ فلسطين batheca filistin أو البطيخ الأخضر Batheca verde، إلى غير ذلك.

 

 


والله أعلى وأعلم

وهنا سأطرح تساؤلا أخيرا ما أصل تسمية المرحوم (يستعمل في بعض المناطق كالجنوب والشرق للشمام أو البطيخ الأصفر)؟

 

لمزيد قراءة في الموضوع: مسميات البطيخ والقرعيات في اللهجات العربية

4 آراء حول “أصل كلمة دلاع

  1. الدلاح في العربية بمعنى كثير الماء، والكلمة فصيحة قد استعملها عبيد بن الأبرص في قصيته التي يصف فيها تشكل الغيوم المثقلة بالماء فقال: هبّتْ جنوبٌ بأعلاهُ ومالَ بهِ أعجازُ مُزنٍ يسُحّ الماءَ دلاّحِ، بمعنى غيم كثير الماء.

    إعجاب

    1. مرحبا،

      لفظة الدلاح بالحاء بمعنى البطيخ هي تحوّر طارئ في بعض المغرب الأقصى. وأصلها بالعين وهو ما توثّقه العربية والعبرية وكتب أهل المغرب والأندلس قديما وهو الاستعمال المعروف في بلاد الشام وشمال إفريقيا. أما الدلح في اللغة فهو مشي المُبطئ أو المُثقل لذلك ينقل الأزهري أن: “السحابة تَدْلَح في مسيرها من كثرة مائها كأَنها تتحرك انْخِزالاً”.

      وقلب العين حاء ليس غريبا، لأنها أصوات حلقية متقاربة حتى قيل أنهما لا يجتمعان في كلمة واحدة. لذلك فقد يطرأ وتُقلب العين حاء في بعض الكلام وهو ما يعرف بالفحفحة ونُقل أنها كانت في لغة هذيل قديما وعليها قُرئت “عتى حين” في “حتى حين”.

      إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s