الإلحاد وشعور الغائية بين الاكتئاب الحاد والانتحار الحتمي

[مسودة] تساؤل موضوع اليوم أطرحه عن: شعور الغائية في التيارات الإلحادية على المستوى الفردي والجماعي.

الملحدون أكثر انتحارا من المؤمنين
هل يعني هذا أن الاصطفاء الطبيعي فضّل المؤمنين على الملحدين؟

يؤمن الملحد أن الاصطفاء الطبيعى يحل محل الإله فى تنوع وخلق الكائنات الحية. فحتى الطبيعة إذن تبيد من لا يؤمن بها ولا يخضع لها!


ما هو الانتحار؟ ما أسبابه؟
هل هو استسلام ومحاولة هروب من الواقع أو عدم وجود شئ يدفعه للحياة؟

وسؤالي الأساسي هنا: ما الذي يدفع الكثير من الملحدين إلى حالات خطيرة من الاكتئاب؟
هل هو شعور الندم، عدم الراحة؟ الخوف؟

وما الذي يدفع ببعضهم إلى الانتحار؟

هل تعرفون حالات مماثلة؟


إحصائيات ودراسات

هناك عشرات الأبحاث سنويا تدرس قضية الاكتئاب عند الملحد ومترتباته الإجتماعية

من أولها دراسة مرعبة للبروفسور الأسترالي José Manoel Bertolote عضو ومشرف مسؤول في منظمة الصحة العالمية، ويعمل حاليا في Australian Institute for Suicide Research and Prevention. تناولت دراساته ظاهرة الإنتحار من مختلف الأبعاد، كالجنس والعمر والجغرافيا والدين.


ومثلها دراسة منظمة الصحة العالمية في محاربة الإنتحار سنة 2014، نجد أن نسبة الإنتحار في العالم الإسلامي متدنيّة

وذلك لأن الإسلام يتعامل بصرامة كبيرة مع التفكير في الإنتحار. فهو كبيرة متوعّد صاحبها بالنار:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مَن تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن تحسَّى سمّاً فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها [أي يطعن] في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً )  رواه الشيخان.
وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ) رواه الشيخان.
وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات . قال الله تعالى : بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة ) رواه الشيخان.

والإسلام لا يردع التفكير فيه فحسب بل يطرح البدائل ويشجّع على الصبر ويجزي على ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ) رواه الشيخان .

وروى الترمذي (2399) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ) سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (2280).

[للإطلاع أكثر] الإلحاد والانتحار وقوة تعاليم الإسلام


وتتوالى بعدها الدراسات على المستوى المحلي والعالمي مثل إحصائية gallup 2017، تمت على 67 بلد من خلال عينات تكونت من ألف حالة في كل بلد. وهي وإن كانت تظهر تنوّع العوامل فإنها تظهر أثر العامل الديني تحت نتيجة:

 In More Religious Countries, Lower Suicide Rates


وفي دراسة أجراها باحثون أمريكيون هي الأولى من نوعها عام 2004 تهدف لدراسة علاقة الانتحار بالدين، أُجريت بعناية فائقة، وتم اختيار عدد كبير من الأشخاص الذين حاولوا الانتحار أو انتحروا بالفعل، ومن خلال سؤال أقاربهم وأصدقائهم ودراسة الواقع الديني والاجتماعي لهم، تبين أن أكثر المنتحرين هم من الملحدين (واللادينيين) فقد جاؤوا على رأس قائمة الذين قتلوا أنفسهم ليتخلَّصوا من حياتهم وتعاستهم!

وقد أثبتت هذه الدراسة المنشورة في مجلة طب النفس الأمريكية، وجود تأثير قوي للتعاليم الدينية في الحد من ظاهرة الانتحار، وأثبتت كذلك أن الزواج له تأثير قوي في علاج الانتحار وكذا إنجاب الأطفال وتحقيق السعادة والاستقرار والعلاقات الاجتماعية. وخلصت إلى مايلي:

Religious affiliation is associated with less suicidal behavior in depressed inpatients. After other factors were controlled, it was found that greater moral objections to suicide and lower aggression level in religiously affiliated subjects may function as protective factors against suicide attempts. Further study about the influence of religious affiliation on aggressive behavior and how moral objections can reduce the probability of acting on suicidal thoughts may offer new therapeutic strategies in suicide prevention.

Source: Religious Affiliation and Suicide Attempt

Symptoms that accompany depressed patients in this study, such as social symptoms and agression, are accompanied by that person’s worldviews.  Clearly, since religion is a protective factor, it is so because of what it offers as a worldview, and social cohesion, among other things, since religion is not simply a get-together group, but rather, it is a value system which focuses on meaning in life, and produces anti-suicide preventive results.

وجاءت الدراسة على الحقائق الآتية:

  1. نسبة الانتحار لدى الملحدين أعلى ما يمكن!
  2. نسبة الانتحار كانت أعلى لدى غير المتزوجين.
  3. نسبة الانتحار قليلة بين من لديهم أطفال أكثر.
  4. الملحدون أكثر عدوانية من غيرهم.
  5. الإنسان المؤمن أقل غضباً وعدوانية واندفاعاً.
  6. الدين يساعد على تحمل أعباء الحياة والإجهادات ويقلل فرص الإصابة بالاضطرابات النفسية المختلفة.
  7. الملحدون كانوا أكثر الناس تفككاً اجتماعياً، وليس لديهم أي ارتباط اجتماعي لذلك كان الإقدام على الانتحار سهلاً بالنسبة لهم.
  8. ختمت الدراسة بتوصية: إن الثقافة الدينية هي علاج مناسب لظاهرة الانتحار.

نستطيع أن نستنتج أن الإيمان والزواج وإنجاب الأطفال هي عوامل تبعد الانتحار عن أولئك الذين يعانون من اضطرابات نفسية تدفعهم للانتحار. لأن الدراسة وجدت أن الشخص المؤمن والمتزوج والذي لديه عدد من الأولاد أقل عرضة للإصابة بالاضطرابات النفسية. طبعاً هذه الدراسة أُجريت على أناس غير مسلمين، لأن “المسلمين هم أقل تعرضاً لهذه الظاهرة لأن الإسلام يحرم الانتحار بشدة”. وقالت الدراسة: إن الدين عامل مهم في ردع الكآبة واليأس!

وهنا تأمّل: لماذا أمر نبي الرحمة بالزواج وإنجاب الأطفال؟ ولماذا قال: (لا رهبانية في الإسلام)؟طبعاً ليحقق لنا الحياة السعيدة التي عجز الغرب عن تحقيقها على الرغم من التطور الطبي الهائل. فالزواج مفهوم ارتبط بالدين، وفقد كثيرا من قيمته في الغرب وفقد مسؤولياته معها بتشتت الأدوار.


وفي دراسة أخرى توصّل باحثون من خلاصة تتبع 2339 حالة انتحار ومقارنة 5 ألف حالة أخرى في العالم الغربي إلى ما يلي:

 Most studies reveal that increased religiosity protects against suicide [51622]
 …

In conclusion, this study’s results further support the notion that religion plays an overall protective role against completed suicide.

باينبريج (William Bainbridge) دكتور وباحث في علم الاجتماع والممارسات الدينية، وله كتب مشهورة ومرجعية يتحدث في أحد مقالاته بعنوان atheism عن نشأة الإلحاد ويذكر ما خلاصته:

atheism is common among people whose social obligations are weak and is also connected to lower fertility rates in some industrial nations.

Source: Bainbridge, William (2005). “Atheism” (PDF). Interdisciplinary Journal of Research on Religion.

هل يعني أن الملحد ضعيف بصفة عامة وعنده ضعف في تحمّل مسؤولياته الاجتماعية، لذلك فهو ضعيف اجتماعيا، ولذلك فالطبيعة تريد أن تتخلص منه؟


دراسات إضافية:

“Concerning suicide rates, this is the one indicator of societal health in which religious nations fare much better than secular nations. According to the 2003 World Health Organization’s report on international male suicides rates (which compared 100 countries), of the top ten nations with the highest male suicide rates, all but one (Sri Lanka) are strongly irreligious nations with high levels of atheism. It is interesting to note, however, that of the top remaining nine nations leading the world in male suicide rates, all are former Soviet/Communist nations, such as Belarus, Ukraine, and Latvia. Of the bottom ten nations with the lowest male suicide rates, all are highly religious nations with statistically insignificant levels of organic atheism.”

-Phil Zuckerman (an athiest sociologist).

“Although the mechanism of the association is unclear, higher levels of religiosity appear to be inversely associated with suicide. ”
Suicide Rates and Religious Commitment in Young Adult Males in Utah

“We concluded that a high degree of religiosity acts as a protective mechanism against suicidal tendencies and discuss the implications of our findings.”

Does Religiosity Mediate Suicidal Tendencies? A South African Study of Muslim Tertiary Students.

Religion and Completed Suicide: a Meta-Analysis.

“Some but not all aspects of RS are associated with lowered risk for self-harm. In this study, considering oneself a religious person and reporting a general sense of RS well-being offered the most protective effect to participants, particularly the latter.”

Religiosity/spirituality: Relationships with non-suicidal self-harm behaviors and attempted suicide.

“In a sample of depressed inpatients, intrinsic religiosity was found to be associated with resilience, quality of life, and fewer previous suicide attempts. These findings support the relevance of religiosity assessments in mental health practice and support the hypothesis that resilient psychological characteristics may mediate the positive effects of intrinsic religiosity in depression.”

Intrinsic religiosity, resilience, quality of life, and suicide risk in depressed inpatients.

“Frequent religious service attendance is a long-term protective factor against suicide.”

Prospective prediction of suicide in a nationally representative sample: religious service attendance as a protective factor.

“Using multivariate analysis, level of religiosity was inversely associated with self-injurious thoughts and behaviors (Wald χ(2)=3.95, P=0.047), decreasing the likelihood of occurrence by 55% (OR=0.45, 95% CI 0.2-0.99), after adjusting for depression and socio-demographic factors. This model (adjusted R(2)=0.164; likelihood ratio χ(2)=7.59; df=1; P<0.047) was able to correctly classify 95.6% of the patients as belonging either to the high or low risk groups.”

 Religiosity is a protective factor against self-injurious thoughts and behaviors in Jewish adolescents: findings from a nationally representative s… – PubMed – NCBI


كل هذه الدراسات، تتفق أن المؤمن له بعدٌ ما وارء طبيعي، وانسجام في محيطه وطبيعته، فحتى إن واجهته الصعاب فيتشبث بإيمانه. لأن الأديان تحرّم الانتحار وقتل النفس بغير حق. أما الإلحاد فيخبرك أنك بلا غاية، وشعور غائيتك هو مجرد حيلة يلعبها عقلك لأجل البقاء وكي لا تفقد صوابك.

ولعلاج هذه الظاهرة ينص المختصون على أهمية:

  1. التوعية والتحذير من الإقدام على مثل هذا العمل مع غرس هذا كأخلاقية في الأجيال.
  2. الاهتمام بمن لديهم ميول انتحارية ومحاولة إعطائهم شيئاً من الأمل وعلاج اليأس لديهم، ومنحهم شيئاً من الرحمة والعطف.
  3. وضع عقوبات صارمة لمن يحاول الانتحار. (في مقابل تيار جديد لعدم تجريم الإنتحار أو محاولته decriminalization ففي بلجيكا مثلا، الانتحار ليس جرما ولامساعدة أحدهم في الانتحارAssisted suicide)

أليس هذا ما فعله القرآن عندما حذر من الانتحار ووضع علاجاً وعقوبة صارمة له؟ يقول تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) [النساء: 29-30]. فقد وضع الله في هذه الآية الخطوات العلاجية الثلاث بكل دقة وموضوعية، والتوعّد بالعذاب هو توعّد ما بعد الموت، فلن يتخلى الناس عن نعيم الآخرة ويستبدلوه بنار العذاب لأجل شعور الإحباط في الدنيا.


عيّنات عشوائية

ستاكس روتش (Staks Rosch) ملحد صاحب ماجسيتر في الفلفسة، مساهم في المجتمعات الإلحادية وله مداخلات ومقالات كثيرة فيما يخص الإلحاد. وقد تناولت بعض مقالاته الانتحار، الأولى تحدث فيها عن انتحار أصدقائه الملحدين أحدهم كان له الفضل كما يذكر في إلحاده.

ATHEISM HAS A SUICIDE PROBLEM (2012)

About a year ago a friend of mine died. He was the first person I take credit for de-converting away from theism to atheism. While I can’t say for certain that his death was suicide, I can’t rule it out. It has also been about four months now since the death of Humanist activist and friend Joe Fox. Joe was the reason I became the head of PhillyCoR and while he seemed like the happiest person you could know and was always there for anyone who needed help, he apparently secretly struggled with depression. I also have another friend who recently de-converted and is having a very difficult time adjusting to the reality that God doesn’t exist. While I don’t think he is suicidal, I would be surprised if he didn’t think about it at times.

ثم يسعى إلى التبرير في مقاله فيقول إن الجهل نعمة، والناس الذين لا يدركون ما يجري هم أسعد. لكن ماذا لو قلبنا الصورة، وعالجناها برهان أشبه برهان باسكال، فالملحد خاسر في كلتا الحالتين، يعيش في نغص وكآبة والله يقول: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا). أهذا فقط؟ لا بل يواصل الله فيقول: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى) [طه:124-126].

يعني هو بين احتمالية خسران متعة الدنيا وحتمية خسران الآخرة فإما عدم أو عذاب خالد.

Atheism Has a Suicide Problem (2017)

Depression is a serious problem with in the greater atheist community and far too often, that depression has led to suicide. This is something many of my fellow atheists often don’t like to admit, but it is true. I know a lot of atheists, myself included, would all like to believe that atheists are happier people than religious believers and in many ways we are. But we also have to accept the reality that in some very important ways we are not.

أعاد الكاتب إدراج محور المقال الأول، لكنه تهرّب بعد ذلك من مسؤولية الإلحاد ويرميها على الأديان والمنظور النصراني، وأن الإلحاد يشار إليه بالأيدي أنه شر، وأن الاكتئاب والانتحار شيء جارٍ عند الأقليات.


أعلم أن الإحصائيات لا تكون دوما دقيقة، وبلاغات الانتحار لا تستوي في كل الدول، لكن هناك حقائق في الأمر أجمعت عليها عشرات الدراسات وأقرّ بها الكثير من الملحدين أنفسهم، وأعلم أن عوامل الانتحار كثيرة، لكن الملاحظ أن الانتحار عند المؤمنين على قلته يتجاوز البعد الديني إلى المرضي أو الضغوطات الوضعية، بينما عند الملحدين أراه يتمركز في الحالة الوجودية في صراع الغائية.

ما يذكرني بقصة إسماعيل أدهم، فقد ألّف كتابا أسماه “لماذا أنا ملحد؟” وأعلن في هذا الكتيب أنه سعيد مطمئن لهذا الإلحاد، تماما كما يشعر المؤمن بالله بالسعادة والسكينة. ولم تمرّ ثلاث سنوات حتى انتحر الرجل وترك رسالة يقول فيها أنه زهد في الدنيا وكرهها!

ولو أردنا تلخيص النتائج فسنجد:

  • إجماع الباحثين في كل دراسات الانتحار على وجود علاقة بين الانتحار واليأس، وأن السبب الأساسي للانتحار هو اليأس والإحباط وافتقاد السعادة وشعور عدم الرضى عن البيئة أو النفس، في حين أن الإسلام يحرّم ذلك ويدفع الإنسان لتصحيح مساره فباب التوبة مفتوح.
  • وبما أن نسبة الانتحار هي الأكبر بين الملحدين، إذاً الملحد يائس ومحبط وكئيب وغير سعيد! فالمنظومة الإلحادية لا توفّر السعادة.
  • يؤكد الباحثون أن الإنسان السعيد والمطمئن في حياته هو أبعد الناس عن الانتحار، وبما أن نسبة الانتحار بين المسلمين تكاد تقترب من الصفر، إذن فالمسلم هو أكثر الناس سعادة! وأكثر الناس بعداً عن اليأس!

ولذلك نقول للملحدين الذين يدعون أن الموت هو عملية تحلل طبيعية، لا تدَّعوا أنكم سعداء بإلحادكم، بل إن الله تعالى يعذبكم في الدنيا والآخرة، وانظروا إلى قول الحق تبارك وتعالى:(إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ * وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) [التوبة: 84-85].

وسبحان الذي قال: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا). فربط قبول القضاء والإيمان بمعرفة الحق والعدل في ابتلاء الناس، فلن يظلم الناس فتيلا.


تجريم الإلحاد

تجاوز الأمر قضية الانتحار الطبي لأجل تخفيف الألم، إلى نقاش أن الموت حق للفرد يختاره متى شاء لا تجريم عليه، الانتحار صار حقا عند البعض.


الغائية

بل هذا يعني أن من ألحد فقد ألحد ضمن آلية مبرمجة مسبقا، لأن الطبيعة أرادت أن تتخلص منه

فالمؤمن يؤمن بغائيته في الطبيعة
والملحد لا يؤمن بالغائية، فوجوده كعدمه

المؤمن أقوى وأقدر على تحمل صعاب الحياة
أما الملحد فلا شيء يشدّه إلى المنظومات البشرية إلا متع الحياة

الدين يعطي الأمل ويبعث فيك على التفاؤل والإحسان  والبذل للوصول إلى غدا أفضل في الدنيا والآخرة
الإلحاد يحرمك من الأمل

والإنسان في رحلة بحثه عن الحقيقة، يعتمد على مجموع علل وأسباب، منها علّتان:

  1. العلة الفاعلة وهي الوقوف على وصف الشيء وكيفيته، وتتركز على الأثر المادي أو المرصود من الفاعل في البحث عن وقوع الشيء وتصوّر القائم به.
  2. والعلة الغائية وهي الوقوف على غاية الفاعل من الشيء ولماذا، فهي تتجاوز بُعد الحواس، إلى تأمّل أسباب الوجود.

فكيف يتعامل الملحد مع شعور الغائية؟ كيف يجيب عن أسئلة الذات: من أنا؟ ماذا أكون؟ لماذا أنا هنا؟ إلى أين أنا سائر؟

ولعل قصيدة إيليا أبو ماضي تلخّص هذا:

جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت
ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!

أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود
هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود
أتمنّى أنّني أدري ولكن…
لست أدري!

وطريقي، ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟
هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور
أأنا السّائر في الدّرب أم الدّرب يسير
أم كلاّنا واقف والدّهر يجري؟
لست أدري!

ليت شعري وأنا في عالم الغيب الأمين
أتراني كنت أدري أنّني فيه دفين
وبأنّي سوف أبدو وبأنّي سأكون
أم تراني كنت لا أدرك شيئا؟
لست أدري!

أتراني قبلما أصبحت إنسانا سويّا
أتراني كنت محوا أم تراني كنت شيّا
ألهذا اللّغز حلّ أم سيبقى أبديّا
لست أدري… ولماذا لست أدري؟
لست أدري!


[من قصيدة طلاسم]


السلام الإيماني

يكفي المرأ أن يعلم أن السلام اسم الله، وأنه تحية المسلمين وغاية الأديان (شالوم، سالوت). وأن السلام لا يحققه المرء إلا بالرضى وذاك هو التسليم لله.

لطالما استهوتني كلمة السلام فمن دلالاتها:

  • السلام تحيّة (حياة)
  • السلام من السلامة الخارجية والمعافاة
  • السلام هي الراحة الداخلية، الطمأنينة، السكينة، الأمان (الإيمان)
  • السلام دار السلام
  • السلام الله

كل الأديان الربانية جاءت لتعطي هذا المعنى وحتى التعاليم البشرية جاءت لمحاولة الوصول إليه، وهذا ما يحاول الرهبان البوذيون والطاويون الوصول إليه، ولذلك يسعى الكثير من الغربيين اليوم لملأ الفراغ الروحي عن طريق التأمل لاستعادة ثقتهم. وهذا في حده غير كاف. لأن السلام هو سبيل حياة وليس تمرينا رياضيا.

والله يقول في سورة المائدة: قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (16). فربط الله بين تحقيق السلام واتباع رضوانه وهو تحقيق الرضا النفسي بالرضا الإلهي.

وسبل السلام متنوعة الأشكال طريقها جهد وبذل، لكنها واحدة الجوهر، تجمعها معان مرتبطة، ونتيجتها استحضار معيّة الله الخاصة.

  • استحضار وإدراك الغائية
  • الرضا
  • فعل الصواب (الحلم، القسط)
  • ومجمل العبادة

إن الطريق إلى السلام هو الإقرار وهو ميثاق السعادة من أخذ به نجى وسعد ومن استكبر عنه خاب.

يقول تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) الأعراف/ 172، 173 .

وعنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي اللَّه عنْهُ عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ : « سيِّدُ الاسْتِغْفار أَنْ يقُول الْعبْدُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي ، لا إِلَه إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَني وأَنَا عَبْدُكَ ، وأَنَا على عهْدِكَ ووعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما صنَعْتُ ، أَبوءُ لَكَ بِنِعْمتِكَ علَيَ ، وأَبُوءُ بذَنْبي فَاغْفِرْ لي ، فَإِنَّهُ لا يغْفِرُ الذُّنُوبِ إِلاَّ أَنْتَ . منْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بِهَا ، فَمـاتَ مِنْ يوْمِهِ قَبْل أَنْ يُمْسِيَ ، فَهُو مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ ، ومَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وهُو مُوقِنٌ بها فَمَاتَ قَبل أَنْ يُصْبِح ، فهُو مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ » رواه البخاري .

وهذا مقال جميل أدعوكم لقراءته: في عصر المادية – فلنحيينه حياة طيبة –. فابحثوا عن هذه الحياة الطيبة التي يهنأ فيها المرء. حتى قال بعضهم: (إنه ليمر بي أوقات أقول: إِن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه إنهم لفي عيش طيب).

قال إبراهيم بن أدهم التابعي الإمام الزاهد لبعض أصحابه يوماً: ” لو عَلِم الملوكُ وأبناءُ الملوك ما نحن فيه – أي من السعادة والسرور – لجالدونا عليه بالسيوف “. (البداية والنهاية لابن كثير)

قال ابن الجوزي في صيد الخاطر معلِّقاً على كلام ابن أدهم:

“ولقد صَدَقَ ابن أدهم، فإن السلطان إن أكل شيئاً خاف أن يكون قد طُرِحَ له فيه سم، وإن نام خاف أن يغتال، وهو وراء المغاليق لا يمكنه أن يخرج لفرجة، فإن خرج كان منزعجاً من أقرب الخلق إليه، واللذة التي ينالها تبرد عنده، ولا تبقي له لذة مطعم ولا منكح.
وكلما استظرف المطاعم أكثر منها ففسدت معدته، وكلما استجد الجواري أكثر منهن فذهبت قوته، ولا يكاد يبعد ما بين الوطء والوطء فلا يجد في الوطء كبير لذة لأن لذة الوطء بقدر بعد ما بين الزمانين، وكذلك لذة الأكل.
فإن من أكل على شبع ووطىء من غير صدق شهوة وقلق لم يجد اللذة التامة التي يجدها الفقير إذا جاع والعزب إذا وجد امرأة.
ثم إن الفقير يرمي نفسه على الطريق في الليل فينام ولذة الأمن قد حرمها الأمراء فلذتهم ناقصة وحسابهم زائد.
والله ما أعرف من عاش رفيع القدر بالغاً من اللذات ما لم يبلغ غيره إلا العلماء المخلصين كالحسن وأحمد وسفيان، والعباد المحققين كمعروف، فإن لذة العلم تزيد على كل لذة”

ولذلك فقد برر بعضهم الانتحار في الدول الغربية بكل بساطة بالسعادة، فقالوا “كلما ازدادت سعادة سكان تلك الدولة ازادت نسبة الانتحار فيها”، واختلفوا في ارتباط تحقيق السعادة، فذكر بعضهم أن الإصابة بالكآبة وسط مجتمع سعيد يشعرك بأنك وحدك في العالم على عكس ما إذا كان محيطك كئيبا. ويبرره البعض بضياع الهدف في ضمن الاكتفاء. ولعلنا نتذكر هنا قصة انتحار الكاتب الأمريكي الشهير كارنجي بعدما ألف الكثير من الكتب ونال الشهرة والمال انتحر لسبب بسيط هو أنه لم يكن لديه هدف يعيش من أجله، سبحان الله! بعد كل هذه البراهين الدامغة يقول لنا الملحدون إن لديهم أهدافاً في حياتهم تجعلهم سعداء حقيقة!

وهذا يذكرني أيضا بقصة الكولونيل بودلي الذي كان ضابطا في الجيش البريطاني وخدم في الحرب العالمية الأولى. وجراء الحرب ومخلفاتها التقى بلورنس العرب فحكى له عن أحاسيسه وافتقاده للسلام، فحينها اقترح عليه لورنس قائلا: اذهب وخالط العرب. وفعلا هذا ما كان ذهب إلى صحراء الجزائر وغربها ليعيش مع بدوها، وعلى عكس توقع أصدقائه برجوعه بعد أسابيع فأنه لم يعد إلا بعد مضي 7 سنوات. امتزج بالبدو الرحل واكتسب نمط حياتهم، فعاش معهم وصار يبيع ويشتري الغنم ولبس لباسهم وتكلّم لغتهم وتديّن بالإسلام وتزوج منهم.

وقال لقد كانت هذه السنوات السبع من من أحسن السنين التي عشتها في حياتي اطمئنانًا وراحة بال، وتعلمت في هؤلاء البدو الأعراب محاربة القلق، لا يحسون بشيء اسمه القلق، لأنه لا أحد منهم يرتمي في براثن الهم في الحرص غلى الدنيا وعندهم كلمة مشهورة، كلما أصابهم شيء من قوارع الدهر، قالوا “مكتوب”، “هذا جرى به القلم هذا مكتوب”؛ ثم قال وهذه الكلمة لا تحملهم على التواكل أو ترك مقارعة الخطوب ولكنه الإيمان، وأضرب لكم مثالا: مرة، هبّت عاصفة شديدة الحر حتى ظننت أن شعري سيقتلع من منابته وكادت الحرارة أن تقودني إلى الجنون، فلما زادت العاصفة، عمد أولائك البدو إلى صغار مواشيهم فذبحوها قبل أن يقتلها الحر. ثم ذهبوا بالباقي جنوبا نحو الماء في سكينة وهدوء، لايرى منهم تبرّم أو تضجّر، وهم يقولون قضاء مكتوب، ثم قال له شيخ القبيلة كنا نظن أن هذه الريح ستذهب بكل شيء، لكن بقي لنا حوالي الأربعين بالمئة من مواشينا وهي صالحة لنبدأ بها والحمدلله. فانظر كيف لهؤلاء الأعراب والبدو في الصحراء ليسوا لا بعلماء ولا بعلية القوم، لكنها عقيدة المسلم والراحة التي يجدها والتي يلقى بها ربه. ولابن القيم في مدارك السالكين كلمة جميلة تصب في هذا:

في القلب شعث ، لا يلمه إلا الإقبال على الله . وفيه وحشة ، لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته .
وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته .
وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه ، والفرار منه إليه . 
وفيه نيران حسرات : لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه .
وفيه طلب شديد : لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه .
وفيه فاقة : لا يسدها إلا محبته ، والإنابة إليه ، ودوام ذكره ، وصدق الإخلاص له . ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدا .

وقد روى هذه التجارب بودلي في كتابه “الرياح على الصحراء” (Wind in the Sahara) الذي أصدر لأول مرة عام 1944 يتناول تجربته في الصحراء وفيه يحكي عن أقوى الإنطباعات التي خلفتها تجربته مع البدو العرب المتثملة في علاقة البدو بالله فالله معهم يذكرونه ويتعلقون به في كل شؤون النهار والليل ومعاش اليوم والغد: في مأكلهم، ومشربهم، وتجارتهم، ومعاشراتهم العاطفية؛ الله هو الذي يشغل فكرهم في كل ساعة، وهو الأقرب إليهم من أي شيء أو أي أحد آخر، وكل هذا بشكل يستحيل تكرتره عند من يفصلهم عن ربهم وسائط كالطقوس المرسومة في أداء الشعائر ثم ألف لاحقا كتابا سماه: “الرسول: حياة محمد”. من خلال ما تعلّم في الصحراء. ومما جاء في كتابه:

بودلي

يوجد مسيحيون يعلنون إيمانهم في العالم أكثر من المسلمين الذين يعلنون إيمانهم، ولكن هناك مسلمون يطبقون الإسلام في العالم أكثر من المسيحيين الذين يطبقون المسيحية ( … ) لقد كان محمد على نقيض من سبقه من الأنبياء فإنه لم يكتف بالمسائل الإلهية بل تكشفت له الدنيا ومشاكلها فلم يغفل الناحية العملية الدنيوية في دينه فوفق بين دنيا الناس ودينهم ، لذلك تفادى أخطاء من سبقوه من المعلمين الذين حاولوا خلاص الناس من طريق غير عملي، لقد شبه الحياة بقافلة مسافرة يرعاها الله، وأن الجنة هي المطاف.

إن الإنسان كائن معقّد يتمازج فيه الوجدان وشعور الحيرة إلّا أنه مجهّز فطريا للتعامل معه، فعليه أن يتأمل ما حوله، هل يمكن لهذا أن يكون نتاج العبث؟ سيسمع الجواب صارخا من داخله قبل أن يسمعه من الجانب العلمي الاحتمالي لفراضيات أرباب الإلحاد.

وخلاصة القول أن الإلحاد انتحار حتمي: فأول خطوة أن تنتحر عقليا، ثم قد تنتحر غائيا فتقتل نفسك.

أسأل الله أن يهدي كل باحث عن الحق ويخرجه من دوامة الإلحاد والضياع إلى نور اليقين وحنينه ودفئه. وأختم بقول النبي صلى الله عليه وسلّم: (سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من العافية). سائلين ربنا العفو والعافية والسير على سبل السلام وإدراك السعادة في الدارين.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s