بين اللغة المصرية القديمة والعربية

في إطار نقاش لغة موسى عليه السلام، تم التعرض لمقالة عشوائية قديمة هي “بين اللغة العربية و لغة مصر القديمة“، تنطلق من فرضية للدكتور أسامة السعداوي الذي افترض أن قراءة الهيروغليفية المبنية على أعمال شامبليون ومن جاء بعده خاطئة. بل وأرجعها البعض إلى نظرية المؤامرة.

وأنا لا أعرف الرجل، لكن من خلال قراءة سريعة فإن كثيرا من أهل التخصص يطعنون في علميته. بل ويصفونه بالإصابة بهاجس الـ egyptomania. وقد اطّلعت على موقعه وعلى الإشادات التي أوردها ومقتطفاته من المنتديات ومراسلاته. ومن حيث أنها نظرية ممتعة وحالمة فهي كذلك فافتراضه أن نغمات اللغة المصرية لا تزال تعيش في مصر وأنها تخفي سرّا كبيرا أمر مشوّق. لكن مدى مصداقيتها نقطة عالقة وشائكة. والعجيب ما يُنقل عنه من تناولات للرموز الدينية، فالكتابات المصرية وأسماء الملوك وتماثيلهم صارت أسماء دينية ودلالات على أنبياء الله من زمن آدم إلى عيسى عليهم السلام.

فتمثال أبو الهول ما هو إلا تجسيد رمزي للنبي إبراهيم في حين أن تمثال رمسيس الثاني ما هو إلا تجسيد رمزي للنبي موسى. والترجمة الحقيقية لاسم صاحب الهرم الأكبر هو الملك غنيم وليس خوفو والاسم الحقيقى لأحمس هو “شمس السلام” ولا وجود لقصة إيزيس وأوزوريس فى التاريخ الفرعونى أو لما يسمى بالآلهة.

وهنا تساؤل أطرحه، بعد أن أنكر كل هذه التجسيدات الإلهية في النقوش والرسوم والتماثيل، كيف نصنع بكل التراث الذي يرويه لنا التاريخ والمؤرخون الإغريق عن الميثلولجيا المصرية!؟


وبالعودة إلى مقالنا فإن قيمته العلمية تبدو ضئيلة، وإن كان من الجيد أحيانا أن تلقى أراء تستجوب متانة الأسس التي تنطلق منها، وكثير من الأمور التي أوردها أو استشهد بها قابلة للنقد والدحض، ويمكن أن تناقش بتفصيل أكبر. وكاتب المقال نفسه يقرّ ضمنيا أن اللغتين مختلفتين، فيقول في ملاحظاته: “إن ألفاظ اللغة المصرية القديمة لا تبعد عن ألفاظ اللغة العربية، مما يعني أنهما تنتميان الى لغة واحدة أصلا ، فيبقى السؤال أي من اللغتين أتى من قبل”.

وخروجا من معطيات المقال ﻷن فيها الكثير من المجازفة، فصاحبها ينطلق من حقيقة مسبقة عنده في كون العربية هي لغة آدم. لذلك وقع في كثير من الأمور الملتبسة وحتى اعتماده على بضع كلمات ثنائية في استشهاده، مثل “مش” افترض أنها مصرية لا توجد في اللهجات الأخرى وهذا خطأ، فلا يكاد يوجد بلد عربي إلا ويستعملها انطلاقا من الجزيرة واليمن إلى أقصى موريتانيا. ومثلها كلمة السو أو نش (كنش الذبان). ثم يعتمد كلمات محاكية للأصوات مثل زن وهي متداولة حتى في لغات أخرى، فيقال عند المغاربة: يزنزن، و بوزلزل/بوزنزن لذكر النحل، وبقية اللهجات المشرقية تستعمل فعل زنّ وتسمي هذا النوع من الضجيج زنّة. وكذلك كلمة بصّ ومادته معروفة وبها سميت العين بصّاصة، ولغات عرب الجزيرة متنوعة في القديم، فلم تورد المعاجم إلا ما اشتهر. وأهملت ما اعتبرته غير فصيح، ولا مانع في أن يكون بعض ما أورد المقال وغيره من تشابه بين العربية والمصرية القديمة، فاللسانيون يعتبرون أصلهما واحدا.

فقضية تقارب بعض الألفاظ، هذه قضية مفروغ منها منذ زمن ولذلك يتحدث الباحثون عن لغة افتراضية تجمع بين السامية والمصرية القديمة، فتقارب الألفاظ لن يتيح تفاهما متبادلا آنيا، فاللغة العبرية على سبيل المثال قريبة من العربية، لكن الكلام العبري أعجمي بالنسبة للعرب.

تصنيف

أحد تصنيفات اللغات الأفروآسيوية – موسوعة بريطانيكا

ثم يتسرّع الكاتب ويقرر مجددا فيقول: “وحيث أن الأصل هو الكامل والناقص هو الفرع، فإن اللغة المصرية القديمة هي إحدى لهجات العربية التي يغلب عليها طابع لهجة القطع”.

وهذا التقرير لا مصداقية له في اللسانيات، لأن كل اللغات تتطور، فالأصل مهجور مجهول، والفرع هو المعروف الكامل. وكون أن العربية هي الأصل لا يمكن الجزم به لأننا لا نعرف كيف كانت العربية قديما، فتوثيق الفصحى المعروفة لم يتم إلا بعد قرابة أربعة ألاف سنة من المصرية. في حين أننا نعرف كيف كانت المصرية والأكادية قبل ألاف السنين.

ويقول “اللغة المصرية هي اللغة الوحيدة التي تتكون فيها جذور الكلمات من المثاني المكونة من حرفين اثنين فقط”. وهذا خطأ فالجذور الثنائية معروفة في كثير من العائلات اللغوية كما أن المصرية تحوي جذورا ثلاثية ورباعية أيضا[1]. وهذا يتيح لنا فرضيتين إما أن الأصل ثلاثي ونقص أو أن الأصل كان ثنائيا ودون ذلك ثم صار ثلاثيا.
ولكثرة الجذور الثنائية في عائلة اللغات الأفروآسياوية واشتراك دلالتها قرر أكثر اللسانيين أن اللغات السامية كانت تحوي جذور ثنائية وفيرة (من أمثلتها في العربية: الأسماء الخمس) ثم إنها وعبر تحويل تدريجي استثقلت الثنائية واستصاغت الجذور الثلاثية أكثر فأضافت صوتا جديدا يضيّق المعنى المتداول (هذا ما يذكرنا بقاعدة زيادة المبنى زيادة في المعنى) وعليها انتظمت جذورها على هذا الأساس. بل وحتى كلمة فم (فوه) مثلا الأصل أنها مخففة الميم، لكن فيها لغة أخرى وهي في لهجتنا نقول فمّ. فاحتجنا أن نضعّف الميم كي تستصيغها لكنتنا.

يبقى أن المقال أثار نقاط قديمة للتساؤل عنها، مثل قضية الجد المشترك عابر الذي ينتسب إليه اليهود، عبر عرب عرم.

ولكاتب المقال الكثير من المقالات -ماشاء الله- بعضها يصب في مبحثنا عن لغة الأنبياء، أحدها: العربية وليست المصرية القديمة كانت لغة الأنبياء. لعلني أقرأه مرة أخرى إن أثير الموضوع ثانية.

[1] The Ancient Egyptian Language: An Historical Study, p98


هناك بحوث أخرى ومقالات بسيطة تناولت المقارنة بين العربية والمصرية القديمة، تصفحت عشوائيا بعضها مثل:

Language Contact Studies between Africa and Asia: Arabic and the Ancient Egyptian Language. An Approach of the Configuration of the History of Language Development. Exemplified by Strata of the Afro-Asiatic and Semitic Language Families.

وإن كنتم مهتمين بمقارنة الجذور الواردة فيمكنكم الاستعانة بقاعدة بيانات ستارلينغ


والله أعلى وأعلم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s