تأملات في اللغات السامية بين القرآن والتراث

مقال سريع ليس المراد منه الشمولية ولكن دعوة للتأمل وإدراج وجهة نظر في مسائل محددة، هي مفتوحة للنقاش والتصحيح والتنقيح والإثراء. والسبب في ذلك جملة الأسئلة التالية وصلت المدونة فكان النقاش بخصوصها:

من المعروف أن مصطلح اللغات السامية مصطلح حديث إذ أطلقه المؤرخ الألماني شلوتسر في نهاية القرن الثامن عشر على عائلة اللغات العربية بالعبرية والأرامية وغيرها. فعلى ماذا كان استناده وكبف يكون سام وحام ويافث أبناء نوح عليه السلام وكيف للغات المنبثقة منهم أن تكون مختلفة ألا يتحدث الإخوة عادة نفس اللسان.

ثانيا، لمّا خرج موسى من مصر ولما ورد ماء مدين لم يكن يدري أين هو بالضبط إلا بعد أن قيل له لا تخف نجوت من القوم الظالمين لكن السؤال المطروح كيف تحاور مع الفتاتين ومع والدهما. فهل نستنتج أن اللغة المصرية لم تكن بعيدة عن لغة أهل مدين العربية أم أنها لغة واحدة؟

ونفس السؤال يطرح لما هاجر إبراهيم عليه السلام من بابل إلى أرض كنعان ومن ثم ذهب إلى مصر وجرى بينه وبين ملك مصر حوار ثم إن هاجر عليها السلام كانت من القبط فكيف يكون إسماعيل عليه السلام أول من تكلم العربية ألا يتكلم الطفل أول ما يتكلم بلسان والديه أو بالأحرى أمه التي ترعاه فكيف كانت عربيته

ولما راسل سليمان عليه السلام ملكة سبأ لم تحتج إلى أي ترجمان لتفهم رسالته فهل اللغة التي كانت في جنوب الجزيرة العربية لا تختلف عن التي في شمالها أو في فلسطين أم أنه راسلها بالعبرية.

وأخيرا، إذا كانت العبرية لا تختلف عن العربية إلا في عدد من الحروف غير موجودة في العبرية وبالتالي تغير بعض ألفاظها وتحور تصاريفها الفعلية فهل يمكن القول بأن العبرية ماهي إلا لهجة من اللغة العربية الأم فإذا تطرقنا للهجات العربية وجدنا بها الكثير من الاختلافات الصوتية والصرفية لكنها تندرج دائما تحت العربية.

التسمية السامية

أولا، تسميّتها باللغات السامية تستند على مفاهيم:

  • دينية (Table of nations) في الكتاب المقدس حيث أن الكثير من شعوب الجزيرة نسبت إلى سام بن نوح في سفر التكوين (سفر لا يُعلم كاتبه)، وتذكر أن حام دعا عليه أبوه، فاسودّ لونه، وعقوبة ذريّته أن يخدم إخوته، وربما لأجل ذلك اعتبر اليهود الكنعانيين قديما من بني حام تبريرا لهم في حق الأرض؛
  • وشعوبية لأن كثيرا من هذه الأمم التي سكنت الشرق الأوسط (مثل العرب) كانت تنتسب لهذا الجد المشترك الذي يسمى سام أو أنها بكل بساطة تأثرت بالمروي الديني.

ولا أعلم حقيقة جعلهم للكنعانيين من بني حام، فالبحوث الجينية التي أجريت مؤخرا على هياكل من عرفوا بالكنعانيين كالفينيقييين بينت أن موروثهم الجيني يماثل بقية الشعوب المسماة بالسامية. ولذلك فالمستشرق الألماني Schlözer شلوتزر (1735-1809) تجاوز هذه التفاصيل وجعل لغات كنعان سامية لتشابهها مع بقية اللغات المجاورة. فهو إذن اعتمد التصنيف التوراتي كون أن الأراميين والعرب والعبريين ساميون. وهو مصطلح ذاع بعدها في أوروبا لوصف اليهود، ونشأ عنه في القرن الموالي في ألمانيا القرن التاسع عشر تسمية معاداة اليهود بمعاداة السامية (Antisemitisch / Antisemitismus). في حين تم اعتمد مصطلح اللغات الحامية للمصرية والكوشية وما جاورها نسبة لحام أبي الأفارقة، واللغات اليافثية للغات الهندية-الأوروبية. ويذكر شلوتزر في مقالته:

“من المتوسط إلى الفرات، ومن بلاد النهرين إلى شبه جزيرة العرب تسود كما هو معروف لغة واحدة وعليه فالسوريون والبابليون والعبريون والعرب كانوا أمة واحدة، والفينيقيون (الحاميون) أيضًا تكلموا بهذه اللغة التي أود أن أدعوها ساميَّة”.

مقالة حول الكلدان 1781 (Von den Chaldäern)

ومع تقدّم الدراسات اللسانية المقارنة، ضُمت عائلة اللغات السامية والحامية في عائلة جامعة سميت الحامية-السامية Hamito-Semitic، ثم عُدل عنها إلى تسمية اللغات الأفروآسياوية. لأن المجتمع العلمي لا يقرّ حقيقة هذا التصنيف العرقي المذكور في التوراة.

ومن الناحية النظرية فإن هناك، فرضيات كثيرة جدا لتطور اللغات، وهي تنطلق إما من:

  • منظور تطوريّ بحت فتدرس طريقة تواصل الحيوانات والقردة العليا خاصة وتفترض أن الإنسان بدأ التعبير بالحركات والإيماءات وببعض المقاطع الصوتية الأحادية (monosyllables)، مثلا “با” قد تعني أكل، و”هو” تعني خطر. ثم مع تعويد الجهاز الصوتي للإنسان صار يصدر أصواتا مركبة، كمقطعين صوتيين، فصار يسمي الحجر مثلا “جوجو”. وهذه النظرية قد تفترض أن الإنسان الأول بفرض أنه عاش في إفريقيا كانت لمجتمعاته الصغيرة لغة بدائية قبل أن ينتشر في الأرض ويتطور كل منها على حدة، أو أن اللغات الأولى نشأت بشكل منفصل.
  • منظور ديني (خلقي/اصطفائي) يعتمد نظرية اللغة الأولى (The proto-human language ومن شواهدها نظرية العائلة الكبروية Nostratic)، وهو ما يوافق اعتقادي، وهي أن آدم عليه السلام علُّم لغة أو مسميات تطورت عنها اللغات الأخرى مع مرور الوقت وانتشار بنيه في الأرض. وطبعا لم تكن هذه اللغة الأم هي العربية ولا العبرية كما زعم اليهود قديما وإنما العربية والعبرية نتاج ألاف السنين من التحور.

وكلهم يتفق على أن قدرة الإنسان على التواصل مميزة عن جميع الكائنات الحية الأخرى. ولكنهم يختلفون متى ظهرت قدرته هذه على اكتساب اللغة. ونظرية تشومسكي في القواعد التحويلية التوليدية مثلا تنطلق من أن القدرة اللغوية عند الإنسان هي فطرية أي أنها تعتمد منظومة من القواعد المبرمجة مسبقا في ذهنه وأنها بيولوجيا مصممة فيه. ولذلك فهو يفترض أن الإنسان حدثت معه طفرة ميّزته عمن سبقه من الأجناس.


تبلبل اللغات في ذرية نوح

كي لا نطيل في هذا الموضوع، فإن اللغات ليست حصرا وراثيا، وإنما اكتسابها قد يكون نتيجة الاحتكاك والهجرات والتداول مثلما حدث لبني إسرائيل حين سكنوا أرض كنعان فإنهم اكتسبوا لسانهم. ومثلما حدث ويحدث اليوم في اللغات الأكثر انتشارا.

ونحن نجهل يقينا الحقيقة، ومتى عاش نوح عليه السلام، أقبل ألاف السنين أم عشرات الألاف أم مئات الألاف!

وقد جاءت بعض الآثار لتحدد مدة ألف سنة بين آدم إلى نوح وأخرى تحدد ألفا من نوح إلى إبراهيم، ولا أظن الأثرين يصحان معا. وعمدة القول ما ذكر ابن حزم في الفصل بين الملل والأهواء والنحل:

“وأما اختلاف النّاس في التّاريخ ، فإن اليهود يقولون: للدنيا أربعة آلاف سنة. والنّصارى يقولون : للدنيا خمسة آلاف سنة، وأمّا نحن فلا نقطع على علم عدد معروف عندنا . ومن ادّعى في ذلك سبعة آلاف سنة أو أكثر أو أقل فقد كذب، وقال ما لم يأت قط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه لفظة تصح، بل صحّ عنه عليه السّلام خلافه، بل نقطع على أنّ للدنيا أمداً لا يعلمه إلّا الله عز وجل، قال الله تَعَالَى: (مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا أَنْتُم فِي الْأُمَم قبلكُمْ إِلَّا كالشعرة الْبَيْضَاء فِي الثور الْأسود، أَو كالشعرة السَّوْدَاء فِي الثور الْأَبْيَض) هذا عنه عليه السّلام ثابت[أصله في الصحيحين]، وهو عليه السّلام لا يقول إلّا عين الحق، ولا يسامح بشيء من الباطل لا بإعياء ولا بغيره ، فهذه نسبة من تدبرها وعرف مقدار أعداد أهل الإسلام ، ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض وأنه الأكثر، علم أن للدنيا عدداً لا يحصيه إلّا الله تعالى … إلّا أَن لكل ذلك أولاً ومبدأ ولا بُدّ من نهاية ، لم يكن شيء من العالم موجوداً قبلها ، وللّه الأمر من قبل ومن بعد”

وهل نوح هو الأب الحصري للبشرية؟ أم اختص طوفانه بقومه ولم يعمّ الأرض؟ وعليه فيحمل قوله تعالى (احمل فيها من كلٍ/كلِ زوجين اثنين) أنها أزواج أنواع مخصصة، إما لدورها البيئي ووظيفتها الكونية أو ليعتاش بها وعلى هذا القول فإن نوحا عليه السلام وذريته قد عرفوا استأناس البهائم وبهذا ربط الطاهر بن عاشور رحمه الله قوله “وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج” امتنانا من الله بإنزالها من السفينة مثلما امتن عليهم بحملهم عليها.

وهل ثبت فيما جاء من السنة أن لنوح ثلاثة أبناء؟ (إن لم أخطئ، فإن الألباني ضعّف كل ما وقع عليه في الباب، ولعل أصح ما جاء فيه حديث يرويه سمرة بن جندب رضي الله عنه وهو من صغار الصحابة وقع الخلاف فيه حول سماع الحسن البصري منه).

ثم وعلى فرض أن اللغات السامية انبثقت من ذرية سام، فإنه لا مانع أن تكون هناك لغات أخرى انبثقت مع ذريته أيضا.

والذي أراه أنه لا ينبغي أن يعوّل كثيرا على هذا. والأحكام الأنثروبولوجية لا تستند فقط على اللسانيات وإنما على التاريخ والأركيولوجيا إضافة إلى البحوث الجينية للشعوب. وبالمناسبة فإن التحور الجيني الذي تنحدر منه الشعوب السامية في الشرق الأوسط هو الهابلوغروب J1 وهذا الجد الذي يقدر أنه عاش قبل أكثر من 30 ألف سنة يجمع مجموعة من الأمم من بينهم الساميين ويجتمع كثير من العرب العدنانيين وبعض اليهود والساميين في جد يرمز له J1-FGC11 عاش تقريبا قبل 4 ألاف سنة. [يذكر أيضا أن انتشار هذا الجين ارتبط بتربية الحيوانات].

والجينات توضّح لنا أن الوجود البشري قديم وأن الخريطة التوراتية لا يمكن أن ينطبق تقسيمها على كل أمم الأرض هذا عدا أن النصوص الكتابية تقدّر عمر الكون بـ 5-7 ألاف سنة فقط. وبالمناسبة فمن أمثلة العزلة الجينية: الأبورجين أو سكان أستراليا الأصليون، فهؤلاء يقدّر انفصالهم الجيني عن بقية الشعوب قبل أكثر من 60 ألف سنة من اليوم وعائلة لغاتهم تشكّل أيضا عائلة معزولة.

وينبغي أن يعلم أنه لا يوجد عرق نقي بالمفهوم الشعوبي، فكل الشعوب باختلاف ألسنتها تشتمل على موروث جيني متنوع وهي بذاتها تنحدر من هجرات وترسبات أممية أقدم، وبالتالي فاللغة ليست نسبا.  فكما أن المتحدثين باللغات الهندية-الأوروبية ليسوا كلهم من من عرق واحد يجمعهم جد مشترك. فإن المتحدثين الساميين تتنوع أصولهم الجينية أيضا بشكل كبير. إضافة أن أكثر العائلات اللغوية التي نتحدث عنها اليوم كلها لغات نشأت حديثا، منذ بضعة ألاف من السنين. واللغة السامية (Proto-semitic) على سبيل المثال يقدر عمر ظهورها بـ 4000 ق.م [الدراسة التقديرية].

ثم هناك فرضيات كثيرة حول مكان نشأة هذه العائلة، فهناك من يفترض أنها نشأت في إفريقيا، في القرن الإفريقي ثم انتقل فرعها المسمى اليوم بالسامي إلى الشرق الأوسط وهناك من يرى أن اللغات السامية أو حتى الأفروآسياوية نشأت في الشرق الأوسط ثم رجع جزء منها إلى إفريقيا.

128209-004-31CB4CA7

فرضية الأصل الخارجي لإفريقيا – موسوعة بريطانيكا

مع العلم أن السلالات الذكرية لهذه المجموعات اللغوية الحامية تشتمل على معدلات عالية نسبيا من الهابلوغروب E-M215 و E-M35. وهي طفرات قديمة التأصل في إفريقيا ومتواجدة كذلك في الجزيرة العربية. فمن غير المستبعد أن يكون *الساميون J* تأثروا بلغة السلالات *الحامية E*. وفروع كثيرة من قبائل الجزيرة العربية تنحدر جينيا من الجد E-M215 وهو مختلف عن التطفر الذي يعز إليه انتشار الشعوب السامية والذي يكاد يجمع في J-M267. وقد يقدّر الجد الذي تجتمع فيه عائلة E بعائلة J في 70 ألف سنة قبل اليوم. يعني أن بعض السلالات العربية القديمة لا تمت بصلة جينية قريبة مع بقية العرب أو أنهم نازحون. ولذلك يروى عن جماعة من بينهم ابن مسعود أنهم إذا وصلوا إلى قوله تعالى: (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله)، قال كذب النسابون.

وخلاصة ما يمكن قوله أن تسمية العائلة باللغات السامية مبنيّ أساسا على التصور التوراتي، لكن تم قبوله وتداوله.


هل السامية هي العربية

هل يمكن اعتبار اللغة العبرية لغة عربية قديمة؟

أفضل أن يقال أن أصلهما مشترك. لأن عائلة اللغات العربية تشذّ في أمور تتفق فيها بقية اللغات السامية. أي كل هذه اللغات تطورت بشكل مختلف حتى العربية. وعليه فالعربية فرع لا أصل حتى يثبت الدليل. وهي والعبرية تنتميان إلى فرعين مختلفين من اللغات السامية. ولأن معلوماتنا عن العربية القديمة ضئيلة، فلا يسعنا إلا أن نفصل النزاع بمثل هذا.

اللغات السامية

هناك أكثر من تصنيف للغات السامية

أما من ناحية إمكان التسمية، فهناك من يتبنى ذلك، مثل قرار المجمع الافتراضي الذي سماها عائلة اللغات العروبية، ومن يعتمد هذا فإنه ينطلق من كون:

  • العربية هي أكثر اللغات السامية محافظة على موروثها السامي
  • افتراض أن الأصل الجامع كان في شبه الجزيرة.
  • تطويع دلالة عرب/عربية

فهناك من يوسّع دلالة العربية لتشمل كل اللغات السامية التي يعتقد أن أصحابها هاجروا من شبه الجزيرة. كما وسّع المتقدمون دلالة عرب كي تشمل كل ساكني شبه الجزيرة الأصليين وذكروا في ذلك أمما أقدم لا نعرف عنها الكثير كالقبائل البائدة أمثال طسم وجديس والعماليق…

أما حديث أبي ذر عن أنبياء العرب الأربع فقال فيه الألباني ضعيف جدا.

يبقى أن ورود خبر عربية جرهم وإسماعيل (في أحاديث صحيحة إن لم تتطرق إليها الرواية بالمعنى) يدلّ على أن تسميتهم عربا صحيح. وإسماعيل عليه عاش في نواحي القرن 18-17 ق.م وفقا لأخبار أهل الكتاب.

مواضيع مقترحة للقراءة:


لغة موسى إلى مدين

بخصوص موسى عليه السلام، فالجواب عنه يتعلق بالحقبة التي عاش فيها، ولو استندنا للتراث اليهودي، فالمشهور أنه عاش تقريبا فترة 1400 سنة ق.م. ومن المفترض أنه كان آنذاك يتحدث على الأقل لغتين:

  • المصرية القديمة (في حقبته) وهي لغة عامة أهل مصر ولغة بلاط من تبنّاه، فنشأ موسى كأمير مصري ولعله تلقى أداب الأمراء (وربما منها اللغات) وفي ذلك يقول فرعون:(ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين). والمصرية القديمة تنتمي لعائلة اللغات الأفروأسياوية التي تنتمي إليها السامية والأمازيغية، لكنها تبقى لغات مختلفة.
  • ولغة سامية، انحدرت منها العبرية المعروفة وهي لغة كنعانية اكتسبها بنو إسرائيل حين سكنوا نواحي الشام وحافظوا عليها كلغة ثانوية فيما بينهم بعد هجرتهم في قرابة 70 فردا إلى مصر زمن يوسف، ويقال أن بهذه اللغة كتبت التوراة. [تأثيل عبري]

ثم هناك خلاف في مدين هل هي أرض أم حلف قبلي ولا نعلم ما كانت لغتهم، والتوراة تذكر مدين على أنه أحد أولاد إبراهيم عليه السلام وأرضهم نواحي الأردن إلى شمال السعودية اليوم، لا يفصلهم عن مصر إلى البحر الأحمر وصحراء سيناء، وبالتالي فقد تكون لغتهم مقاربة للغة الكنعانيين الذين سكنوا فلسطين إلى الأردن، بل وإن زوجة موسى عليه السلام اسمها صفورة (Tzipporah צִפוֹרָה وتعني عصفورة‬)، وتذكر التوراة أن مدين شكلوا أحلافا مع القبائل التي سكنت تلك المناطق مثل العماليق. وهم إضافة لكونهم رعاة فإن التجارة كانت تشكل جزء كبيرا من مكاسبهم (ودليل ذلك أنهم هم أو أسلافهم باعتبار أن مدين تعاقب عليها أقوام أُهلكوا بغشّهم وتطفيفهم بعد دعوة شعيب (16 ق.م.) لهم)  فتعلّمُ لغة الآخر أو الكلمات القليلة التي يتم بها التواصل أمر شائع. وحتى بفرض أن مدين كانوا عربا فإن عربيتهم غير عربيتنا وقربهم من القبائل الكنعانية واحتكاكهم بهم يسهّل عملية التواصل واكتساب أكثر من لغة أو على الأقل يؤلّف آليات اللغة الثانية واختلافاتها.

على أنه لا يمكن الجزم بخصوص اللغة التي تكلّمها موسى. ولا ندري أيضا بأي لغة كتبت التوراة الأولى، وهل كتبت بالنقش المصري أم المسماري. لكنها لا تخرج عن كونها:

  • إما مصرية قديمة
  • أو المزيج العبري الذي ابتدأ بلغة إبراهيم عليه السلام ثم بلغة قريبة من الكنعانية لمجاورتهم لهم ثم تأثرها بالمصرية.

أقوال أخرى في الباب:

مدين قرية عربية، وهي في شمال الجزيرة على الجانب المقابل لمصر، وهذا يعني أن سكانها عرب يتكلمون العربية وقت موسى عليه السلام، والملاحظ أن موسى عليه السلام لم يحتج إلى ترجمان للحديث مع المرأتين، ولا يقال: إن وجود الترجمان محتمل، إذ إن ذلك يلزم منه أن موسى عليه السلام صار يتكلم لغته ويبحث عمن يعرفها ثم ذهب إلى المرأتين ووقع الخطاب، ثم جاءت البنت وكلمت الترجمان، ثم كلم الترجمان موسى عليه السلام إلخ، لا شك أن تصور ذلك وافتراضه غير مرضي، كما أن افتراض أنهم تكلموا بلغة الإشارة والرموز غير وجيه كذلك.

فإذا كان موسى عليه السلام قد كلمهما مباشرة دون ترجمان، فما اللغة المشتركة التي كانوا يتحدثونها، الذي يبدو -ظناً- أنها عربية تلك الزمان، كانت مثل ما هي عليه اليوم لهجات العرب في مصر والجزيرة والشام والعراق، حيث يمكن أن يتخاطب أولئك بلهجاتهم ويفهم بعضهم من بعض، الذي يبدو أن الحال كان كما هو عليه اليوم، وإنما الأمر لا يعدو لهجات يتكلم بها كل أهل منطقة، لا تستغرب ذلك، فهل هناك ما يدل على غيره؟. 

  • كتاب لغات الرسل وأصول الرسالات[pdf][doc]: هو كتاب يلخص لغة التوراة ولغة عيسى عليه السلام ولغة نبيّنا وبعض المخطوطات أو النقوش الواردة في ذلك. لكن الكتاب لا يمكن أن يوصف بالشمولية.

لقد عاش موسى في مصر أربعين سنة تربى خلالها في بلاط فرعون فتكون لغته الأم هي المصرية، ويمكن أن يكون ملماً بلغة أخرى إلى جانب المصرية كعادة الملوك في تعليم ذويهم عدة لغات، فربما كان ملماً بلغة خاصة بالعبرانيين أو الإسرائيلين، إذن فهناك احتمال غالب أن تكون لغة البلاغ الأصلي للتوراة هي المصرية دون غيرها، باعتبارها اللغة المشتركة بين جميع سكان مصر، أو يحتمل أن تكون لغة التوراة الأصلية هي لغة هؤلاء الذين هاجروا من فلسطين إلى مصر وهم أخلاط، فتأثروا بعادات مصر واكتسبوا لغتها، ثم رجعوا إلى فلسطين يحملون معهم موروثهم الثقافي والفكر الجديد، فكانت لغتهم على أقل تقدير خليطاً من المصرية والكنعانية الحيثية، فتكون هي اللغة التي دونوا بها التوراة نقلاً عن موسى، وإذا كان موسى قد عاش أربعين سنة في مصر ثم رحل إلى مدين وهي قبيلة عربية -أو على الأقل ليست إسرائيلية – ليعيش فيها أربعين سنة أخرى، فإنه بالتأكيد كان قد ألم بلغة هذه القبيلة قبل عودته إلى مصر رسولاً. [ص. 23]


أما بخصوص تقارب هذه اللغات، فالظاهر من خلال الكتابات ودراسة اختلافاتها واختلافات لغاتها الوليدة فإن العربية والكنعانية (بما فيها العبرية) كانت لغات مختلقة في الألف الأولى قبل الميلاد حتى وإن اشتركت في أصل قديم واحد. أما المصرية القديمة فهي مختلفة تماما، وحتى بمقارنة آثارها ابتداءً من الألفية الثالثة قبل الميلاد مع الكتابات السامية المبكرة فإن بعد الشقة هائل. على أن هناك من يصنف اللغات السامية والمصرية في عائلة واحدة بعد أن انفصلت عن العائلة الكبرى قبل زمن طويل، وهناك من يرى غير ذلك. لكنه تم آلاف السنين قبل موسى وإبراهيم عليهما السلام.

تصنيف آخر للغات الأفروآسيوية

تصنيف آخر للغات الأفروآسيوية- موسوعة بريطانيكا


لغة إسماعيل

وفقط للإشارة فإن النمرود البابلي الذي تحداه إبراهيم غير الملك المصري الذي وهبه هاجر. وهاجر كانت سرية إبراهيم فلابد أنها تعلمت بعض لغته. ولعل إسماعيل تعلّم منها بعضها، أو أنها تبنّت لغة القوم الذين سكنت معهم دون أن تكون فصيحة فيها. وهذا أمر مشاهد في أيامنا هذه، فالأباء الذين يهاجرون بحثا عن العمل في بلاد أخرى مثل العائلات الجزائرية في فرنسا، أو الهندية في الشمال الأمريكي، تجدهم لا يحسنون اللغة الجديدة لكنهم يتعلمون ما يقيمون به حاجتهم، أما أبناؤهم فلاختلاطهم مع البيئة الجديدة يكونون أفصح، وفي حديث أبي جهم (ونشأ إسماعيل بين ولدانهم).

أما قضية أن إسماعيل عليه السلام هو أول من تكلم العربية أو أول من فتق لسانه بها، فلم يرد فيها سند قوي يعوّل عليه. بل أن الثابت في البخاري أنه شبّ في جرهم وهي قبيلة تعدّ في العرب وتعلّم منهم العربية. وفي ذلك يعلّق ابن حجر في فتح الباري:

قوله : ( وتعلم العربية منهم ) فيه إشعار بأن لسان أمه وأبيه لم يكن عربيا ، وفيه تضعيف لقول من روى أنه أول من تكلم بالعربية ، وقد وقع ذلك من حديث ابن عباس عند الحاكم في ” المستدرك ” بلفظ ” أول من نطق بالعربية إسماعيل ” وروى الزبير بن بكار في النسب من حديث علي بإسناد حسن قال : ” أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل ” وبهذا القيد يجمع بين الخبرين فتكون أوليته في ذلك بحسب الزيادة في البيان لا الأولية المطلقة فيكون بعد تعلمه أصل العربية من جرهم ألهمه الله العربية الفصيحة المبينة فنطق بها ، ويشهد لهذا ما حكاه ابن هشام عن الشرقي بن قطامي ” إن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا حمير وجرهم ” ويحتمل أن تكون الأولية في الحديث مقيدة بإسماعيل بالنسبة إلى بقية إخوته من ولد إبراهيم ، فإسماعيل أول من نطق بالعربية من ولد إبراهيم ، وقال ابن دريد في ” كتاب الوشاح ” أول من نطق بالعربية يعرب بن قحطان ، ثم إسماعيل . قلت : وهذا لا يوافق من قال إن العرب كلها من ولد إسماعيل وسيأتي الكلام فيه في أوائل السيرة النبوية .

وهو ما قد يوهم أيضا أن اختلاف لسان قحطان عن عدنان تطوّر في ذرية إسماعيل عليه السلام. فتباينت العدنانية عن بقية لغات الجزيرة العربية. لكن سلوك اللغات في التحور لا يكون آنيا. ومن غريب ما قرأت في الباب ما ذكره ابن خلدون من أن كلام جرهم العبرية وأن أصل ديارهم كانت باليمن.

ولنا هنا أن نزيد تساؤلا، ما اللغة التي استعملها إبراهيم عليه السلام في كلامه مع زوجات إسماعيل (والقصة ثابتة في صحيح البخاري). ونص الحديث يدل على أن الكلام المستخدم كان بسيطا مثل “ما طعامكم”، “لبن”، “لحم”، “ماء”، “كثير” “بخير”، “ليس بخير” إلا عبارة واحدة هي “تثبيت عتبة الباب” هذه تبدو نوعا ما معقدة. فإما أن إبراهيم عليه السلام اكتسب ثقافة لغوية كبيرة من خلال ترحاله وهو على الغالب يجيد أكثر من لغة خاصة بعد سفره مع والده من أور الكلدانية إلى حرّان الأرامية أو أن زوجاته تعلمن لغة إسماعيل منه أو من أمه (وهذا بعيد) أو أنه كان معه ترجمان ودليل أو أن اللغات كانت متقاربة لقرب زمنها من اللغة الأم المشتركة وقرب هجراتها.

وقد نقلت بعض الروايات -إن صحّت- أن إبراهيم كان يتفقّد هاجر وإسماعيل عليهم السلام من حين لآخر، حتى نقلت بعضها أنه كان يزورهم كل شهر [ذكره ابن حجر من رواية الفاكهي عن علي بإسناد حسن أو نحوه]. فلعل كثرة الترداد تورث ألفة اللسان أيضا.


لغة سليمان إلى سبأ (ألف سنة ق.م.)

سليمان عليه السلام ملك، وكانت تجري بين الممالك سفارات وتجارات ومراسيل قد ترسل بلغة أحدهما أو بلغة وسيطة، وسليمان كان يفهم منطق الحيوان ولن يعجزه أن يجد ترجمان كما لن يعجزها هي أن تجد واحدا، وتجارة اليمن شمالا معروفة منذ القديم.

وخطابهما ورد في حادثتين:

  •  المراسلات: وسياقها يدلّ على مهلة وعلى إلقاء لا يشترط منه القراءة بل ربما على تلخيص للمحتوى
    • قالت يا أيها الملأ إني أُلقي إلي كتاب كريم [ثم أخذت تسرد محتوى ما جاء في الكتاب بعد أن جمعت قومها:] إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين.
  • وأما ما كان من خبر العرش والصرح، فأكثر سياقه الخطابي كان مبنيا للمجهول وكأن فيه نوعا من الاستوحاش والاستعظام، ولا يمنع أنه استعان بترجمان، ومجلس سليمان كان عامرا بأهل العلم وكان تحت خدمته جن من كل مكان، وأعمار الجن فيما يشيع طويلة وهم يسيحون في الأرض ويجيدون اللغات أو إيصال المعاني (لو تطوّع أحدهم اليوم لحلّت الكثير من القضايا اللسانية العالقة).
    •  قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

بعض المعطيات التي نعتمدها في فرضنا غير ممحصة وتستند على أخبار أهل الكتاب وما جاء عن الإخباريين والنسابين، وهي تحتاج تحقيقا دقيقا لاعتمادها.

والله أعلى وأعلم.

 

رأيان حول “تأملات في اللغات السامية بين القرآن والتراث

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s