هل وجد الأمازيغ قبل آدم أم أنهم فضائيون؟

واجهة كتاب التعريف بالأمازيغ وأصولهمدوما مع حملة معاداة الأمازيغية تواصل أياد الخفاء نشر الغريب المستهجن لاستفزاز وإثارة الرأي العام. تتبنى نقلها صفحات لا علاقة لها بالطابع الثقافي. فبحث سريع يقدم لك صفحات يتبعها مئات الألاف كمدونة التوظيف.

واليوم اختاروا لنا صفحتين ذكروا أنهما من كتاب التعريف بالأمازيغ وأصولهم لحسين بن شيخ أث ملويا، رجل قانون جزائري وباحث، له كتب مرجعية في بعض المباحث. من مؤلفاته: دروس في القانون الجزائي العام،القانون العرفي الأمازيغي.

وهذه المنشورات المتداولة ذكرتني بجملة كان قالها فلّاق (Fellag) منكّتا في أحد عروضه الكوميدية (1998)، أن الساكن الأصلي للشمال الإفريقي أقدم من آدم وأقدم من الديناصورات حتى.

وهذا الكتاب مؤلف في بداية الألفينات، والطبعة المصورة (2007). فهو لا يتعلّق بالمكشتفات المغربية الأخيرة. لكن ظاهره ينطلق من أن الأمازيغية ليست جينا ولكنها هوية أرض ولغة وثقافة متوارثة. مثلما هي العربية ثقافة ولغة تبنتها القبائل والشعوب.

وكوني لا أعرف معتقد الكاتب وجديّته من خلال صفحتين مقتطعتين، فلا يمكننا الحكم على مراده، ولكني أحسب أن كلامه هذا لا يخرج عن أحد القولين:

فإما أنه باحث في القانون تناول مجالا غير مجاله ثم أطلق العنان لخياله، وهو غير مطّلع على حقيقة البحوث الأنثروبولوجية سواء اللسانية منها أو التاريخية أو الأركيولوجية التي تؤهله للخوض في أصول الشعوب والأمم. وبالمناسبة فنظرية أن آدم هو أبو بعض البشر وأنه نبي مصطفى من جنس سابق وليس أبا كل الإنسانية معروفة في التراث الإسلامي وفي كتب المعاصرين خاصة.

كتاب التعريف بالأمازيغ وأصولهم ص99

 

أو أن ظاهر النص أنه يتحدث بسخرية عن النموذج التقليدي لأنساب الأمم وأعمارها وربما يطرح منظورا تطوريا، فهناك من يفترض أن سبعمئة ألف سنة هي في حيز العمر التقديري لنشأة لإنسان العاقل بعد الانفصال (في العلم الحديث).

فإما أنه يضع نظرية التطور في مقابل ما يسمونه نظرية الخلق. أو أنه ينتصر للعلم التجريبي على حساب أغاليط الطابع التاريخي التي اصطبغت بالدين (مثل الكتاب المقدس وبعض الأثار الضعيفة) والتي تجعل عمر آدم من 7 إلى بضع عشرة ألف سنة. وهذا بكل بساطة يعني إما أن بعض الأمم ليست من آدم وإما أنهم فضائيون.

وهذا النمط هو ديالكتيكية في مساءلة المعارف ومثل هذا الطرح يسمى بالتهكم السقراطي (Socratic irony). فهو يقدم لك فرضيات يعتبرها البعض حقائق أو مسلمات لكن تبنيك لها سيقودك إلى مغالطات حتمية، وعليك أنت أن تستخلص الحل. فبفرض أن هذا هو المراد، فهو يدعوك أن تؤمن أن المصادر التاريخية والشبه دينية التي تناولت الأنساب والأعراق هي نسبية، تحتاج إلى تنقيح ونظر. وأنه قد تم تسييسها في طابع الحقائق لتأدية أغراض شخصية.

وهذا ما يحدث اليوم، ولا أدري لماذا يسعى الكل لتبرير وجوده على هذه الأرض. فالأمازيغي ينادي بأحقيته بها لسبق ثقافته عليها، وقد يتخذها بعض الغلاة مطية يندد فيها بحق الهوية لأجل الانفصال من وضع سياسي واقتصادي وثقافي مزر. وكما زعم منظرو الاحتلال الفرنسي منذ قرنين أن سكان المغرب الكبير الأصليون وعلى رأسهم الأمازيغ أوروبيو الأصل أو أن جذورهم من بلاد الغال كي يبرروا استخرابه وتشتيته وحدة البلد، فعل العرب قديما كي يبرروا وجودهم، فجعل بعضهم الأمازيغ عربا أو انتسب بعض الأمازيغ للعرب كي يتأقلم مع الثقافة الجديدة والعرق النبيل المزعوم. ومثل ذلك افتراض أن لغة آدم كانت العربية وهذه وإن كانت فرضية (باطلة من الناحية اللسانية الحديثة) إلا أنه لا يصح أن تطرح على أنها حقيقة. ومثله قضية رفع العرق العربي ككل وتفضيله على غيره من الأمم مطلقا، ولتبرير ذلك كذب بعضهم على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فوضعوا جملة من الأحاديث فيها ذم للأمم الأخرى وتحقير لها وادّعوا أن العربية لغة أهل الجنة وأن لغة أهل النار فارسية أو رومية، إلخ.

وبطبيعة الأمر، البعض يتعامل بازدواجية وأمثلة هذا التهكم الصادرة عن منظري العروبة كثيرة، فأصل آدم عربي، قضية لا إشكال فيها ولها مستندها! وأما كون الأمازيغ أو غيرهم من الأمم من غير آدم فأمر مستهجن وقد زعمه بعض غلاتهم قديما ولعلي أمثل ببيتين ينسبان لسجالات الأندلس يقول فيهما متهكما.

رأيت آدم في نومي فقلت له ** أبا البرية إن الناس قد حكموا
أنّ البرابرة نسلٌ منك، قال إذن ** حواء طالقة، إن كان ما زعموا

ولو أن الكل اكتفى بالسنة الكونية لعاشوا بسلام، فـ “الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين”. فكما أن الدنيا دول، والناس في الأرض تسيح فإنّه لا يوجد عرق نقيّ بل هي هوية ثقافية متوارثة تتبدل وتتغير، والشمال الإفريقي بتبنيه للإسلام فهو تبنى إدراكا وجوديا أسمى من ماهية الأرض، فمِلك الأرض شيء نسبي فاليوم لك بعض ظاهرها وغدا لك باطنها ثم يرثها غيرك.

من كتاب التعريف بالأمازيغ وأصولهم

ومثله قضية الأصل الفضائي (Extraterrestrial Civilizations)، فهي نظرية مثيرة للاهتمام، وممكنة الحدوث ولا مانع ديني منها حين تصدر من باحثين غربيين. فإذا أوردها بعضنا قيل تخلف وجهل. كذلك الوثائقيات الأمريكية مثل Ancient Aliens في موسمها الـثاني عشر اليوم مع قرابة 130 حلقة هي بحث واكتشاف علمي أما استوعابنا لذكر الأقوال والأساطير فتهريج.


خلاصة القول: حملة المنشورات التافهة والتكالب عليها بصبيانية تتواصل، عسى أن تشغل أيادي   الخفاء الشعب بمشاكل داخلية ولم لا حرب أهلية بعد كلّ المعاناة التي خاضها الجزائريون في حين أن غايتهم الارتقاء بوطنهم وأمتهم.

رأي واحد حول “هل وجد الأمازيغ قبل آدم أم أنهم فضائيون؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s