السرعوف والدلالة الدينية

mantisهذه الحشرة البديعة ألهمت الوحي البشري منذ القديم، ونجد الكثير من اللغات تطلق عليه دلالات دينية خاصة.

فما أصل ذلك أو ما العامل المشترك؟


يذكر أن أصل هذه الحشرة هو حوض البحر الأبيض المتوسط، ولعلنا نبدأ بسطنا من استعمالنا العربي الذي يستعير أحيانا وصفها بالراهبة أو الحشرة العابدة، إلا أن السائد وصفها كدابة:

  • فرس النبي (في مختلف المناطق)؛

  • جمل اليهود؛ وتسمى أيضا: ناقة النبي (الجزائر) أو نويقة الرسول (ليبيا)، وقرأت أنه بأمازيغية يفرن الليبية يسمونها:  “تالْغَمْـت نْ بابا ربيبمعنى ناقة الرب وبالأوردو يسميها بعضهم Allah ka ghora أو فرس الله.

  • ويسميه اليهود جمل سليمان” (بالعبرية: גמל שלמה). وفي بعض لهجاتنا في الجزائر يوصف بفرس سيدنا سليمان أو بفرس سيدنا عيسى.

فأول ما سيتبادر للذهن أن لهذا الحيوان ارتباطا بالنبوة.

فكيف كان يسميه العرب قديما؟ ومتى ظهر مصطلح فرس النبي؟

لا أعلم أول استعمال لفرس النبي،  وسأحتاج إلى بحث في المعاجم المتخصصة وفي مكتبات المتقدمين. لكن بحثا سريعا أظهر أن هذه الحشرة كانت معروفة بهذا الاسم قبل خمسة قرون، في معجم عربي قبطي.

أما كلمة سرعوف فمعروفة وإن تباين معناها، يقول صاحب اللسان:

السُّرْعُوفَةُ : الْجَرَادَةُ مِنْ ذَلِكَ وَتَشَبَّهَ بِهَا الْفَرَسُ وَتُسَمَّى الْفَرَسُ سُرْعُوفَةٌ لِخِفَّتِهَا؛
قَالَ الشَّاعِرُ :  وَإِنْ أَعْرَضَتْ قُلْتَ : سُرْعُوفَةٌ .. لَهَا ذَنَبٌ خَلْفَهَا مُسْبَطِرّ
وَالسُّرْعُوفَةُ : دَابَّةٌ تَأْكُلُ الثِّيَابَ .

والبيت ينسب لامرئ القيس، وصحيح أن هذه الحشرة سريعة الحركة، لدرجة أنها ألهمت الصينيين لتطوير أساليب قتالية انتشرت وتوزّعت مدارسها المختلفة في الشمال والجنوب، تستوحي حركاتها في سرعة الضربات وقوّتها مع مرونة في الحركة وثبات في التشكيلة.

غير أن المشهور في لفظة فرس اطلاقه لأجل شكل وقفته التي تشبه وقفة الفرس، كما قالوا فرس النهر وفرس البحر ويسميه الفيتنامييون bọ ngựa “الحشرة الفرس“. وفي السودان أبو الحصين (تصغير حصان).

أما نسبته للنبي فيرجح البعض أنها ترجمة عن الإغريقية. مثلما فعلت اللغات الأوروبية، كالفرنسية والإسبانية والبرتغالية والإيطالية والإنجليزية فأكثرها يستعير من اللاتينية الجديدة كلمة مانتيس ذات الأصل الإغريقي μάντις أو mántis بمعنى المتنبئ أو النبي.

فيسمى مثلا:

  • في الفرنسية: mante religieuse السرعوف المتديّن أو المانت الراهبة؛

    • Prie Dieu
  • وفي الإنجليزية: praying mantis المانتيس العابد؛

وفي حين أن كلمة مانتيس أصبحت اسم علم خال من معناه الإغريقي. واصلت هذه اللغات وصفه بالتعبّد

  • ففي البرتغالية قد يسمى louva-a-deus “يعبد الإله؛

  • وفي لغة رومانيا călugăriță أو الراهبة؛

  • وفي الألمانية Gottesanbeterin المتعبدة للإله.

  • وفي أكثر اللغات السلافية كالروسية богомо́л يسمونها أيضا بالمتعبد للإله

  • في الكيبك، التصوّر مختلف فهم يسمونه فرس الشيطان cheval du diable
  • كما يلقبه البعض بنمر العشب Tigre de l’herbe

ويذكر أن سبب هذا التشبيه هي طريقة ضمه ليديّها كأنها تدعو المولى تقف بلا حراك في سكون تام تنتظر فريستها في شكل يماثل وقفة الرهبان أو النصارى إن أرادوا الصلاة بلى حتى المسلمين إذا رفعوا أيديهم للسماء. وهذه صور عشوائية اخترتها تظهر وجه التشابه.

praying_mantis


تساؤلي التالي: متى ظهر استعمال مانتيس في الإغريقية وهل وراء تسميتها ميثولوجيا مدوّنة؟

اسمه الإغريقي (العرّاف أو النبي)، كان معروفا في زمن ثيوقريطس الشاعر الرعوّي الإغريقي (حوالي 315-250 ق.م)، ولعل اسمه هذا قد استحقه لأجل تميّز شكله وسمته بين الحشرات. ويبدو أن الكثير من الأمم القديمة كانت تنسب إليه قدرات خارقة، نذكر منها [1]:

  • حضارات بلاد ما بين النهرين الأشورية، ففي استقراء للكتابات المسمارية لنينوى (9 ق.م) وصفت هذه الحشرة في معاني العرافة والقدرة على استدعاء أرواح الموتى والتواصل معهم (نيكرومونسيا).
  • واعتبر الإغريق أن له القدرة على إرشاد الضائع إلى بيته وهذا المعتقد لايزال معاينا وتلقيته في مقالة استقسائي عن أسماء السرعوف في الجزائر.
  • أما في مصر القديمة، فيبدو أنه كان يمثّل إلها ثانويا يرشد أرواح الموتى إلى العالم السفلي كما في كتاب الموتى.

غير أن ظاهرة تأليهه لم تتوقف في مصر بل تعدّت إلى شعوب إفريقيا الجنوبية، فقد اعتبر إلها لقبائل الكويْ (Khoi) أما قبائل الصان (San) فتعتبره أحد أشكال إله الحيل.ولازال اسمه في لغة الأفريكان Hottentotsgot أو إله الكوي.

وفي سياق الحديث عن سؤال هذه الحشرة عن الاتجاهات، فإن هذا يبدو شائعا في كثير من الثقافات الشعبية، فعندنا في الجزائر مثلا يسأله الأطفال عن أمور مختلفة كاتجاه القبلة أو يسألونه عن أمكنة أشخاص كأخوالهم أو اتجاه أزواجهم المستقبليين أو فلان من الناس. ويبدو أن هذا المعتقد موجود في العالم الجديد أيضا ولا أعلم إن كانت ثقافة مستحدثة عندهم أو قديمة، فإن شعب النافاجو الأمريكي يسمون السرعوف (Naakaii náásééł) أو “تأتي حشود المكسيك، لسؤالهم له عن الاتجاه الذي يقبل منه المكسيكيون، فيذكرون أنه إذا سئل هذا السؤال أشار إلى الاتجاه وإن سئل أي سؤال آخر لم يتحرك.

ومثلما نسب الصينيون قديما قدرات علاجية تستخلص من هذه الحشرة، فإن هناك اعتقادا آخر في العالم وهو أن لهذه الحشرة تأثيرا سلبيا على البصر. فيعتقد أن لمسه قد يسبب العمى أو دمامل الجفن. كما أن هناك من يتشاءم منها بل ويسمّيها “عميل الشيطان” كما في أمريكا الشمالية. والأساطير التي تنسبها للشيطان كثيرة ومختلفة، منها من يفترض أن السراعف رهبان تخلّوا عن نذر الرهبنة أو عقدو صفقة مع الشيطان فمسخوا حشرات.


علما أن ليست كل لغات العالم تصفه بهذا الوصف الديني. ففي اليابانية مثلا كلمته مشتقة من المنجل أو القطع. وفي بعض المناطق الأمازيغية يسمونه زائر البستان.

للبحث بقية إن شاء الله…


مراجع أولية في البحث

 

رأي واحد حول “السرعوف والدلالة الدينية

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s