شذرات النكت والنوادر: أبو دلامة

لعل من أهم وسائل تلقي المعرفة اليوم هي الوسائط الإعلامية وعلاقة حديثي هذا بمحور الموضوع، هو أني لطالما سمعت عن طرائف أبي دلامة، لكني لم أتعرف عليه عن قرب إلا من خلال مسلسل قديم له (1993) عَبَرَ بصفحاتي. وكذلك الأمر ينطبق على أيام الجاهلية والإسلامها وأعلامها. فنقاش توجيه الفن نقاش غاية في الأهمية بعد أن اكتسحت مجالاته كل الساحات، فهل نكتفي بتجاهله وأكثر شباب الأمة يلهثون خلف آخر افلام هوليوود. فأين بدائلنا؟

أقر أن أكثر الأعمال المقدمة قد تشوبها محاذير ومناكير لكن اتخاذ مقعد الاحتياط لن يصحح مسارها. فكما أن الشعر والخطابة والمحافل والأسواق كان وسيلة الدعوة والمنافحة ونشر العلم في الزمن الأول فإنه اليوم لا مناص من اتخاذها وسيلة للدعوة وتثبيت الهوية وتقوية الملكة. ولعل نبينا لو بُعث في هذا الزمن لاستعملها.


تعريف

محور حديثنا اليوم هو أحد نماذج الفكاهة ومضرب الأمثال في الطرافة : زند بن الجون، مولى بني أسد المكنى بـ : أبي دلامة (ت161هـ). شاعر ساخر من المولدين سكن الكوفة وأدرك آخر زمن بني أمية ونبغ في عهد بني العباس. كان خفيف الظل سريع البديهة حسن الرد؛ فاستملحه خلفاء بني العباس واختص ببلاطهم (فهو لم يمدح بني أمية) وعاصر أول الخلفاء الثلاثة أبا العباس السفاح ثم أبا جعفر المنصور ثم المهدي. وكانوا يقدمونه ويفضلونه ويستطيبون مجالسته ونوادره.

وقد استغلت الحكومة العباسية الجديدة الشعراء على عادة الملوك في مدحهم وتعظيم قدرهم والتنكيل بعدوهم لكسب الرأي العام. وفي ذلك يقول أبو دلامة مادحا الخليفة المنصور:

لَو كَانَ يُقعَدُ فَوقَ الشَّمسِ مِن كَرَمٍ ** قَومٌ لَقِيلَ اقعُدُوا يا آلَ عَبَّاسِ
ثمَّ ارتَقُوا في شُعَاعِ الشَّمسِ كُلُّكُمُ ** إلى السَّماءِ فَأنتُم أكرَمُ النَّاسِ
وقَدّمُوا القَائِمَ المَنصُورَ رأسَكُمُ ** فَالعَينُ والأنفُ والأذنَانِ في الراسِ

ولعل بعضهم يصفه بمهرج الدولة العباسية في عصرها الأول. ذلك أن متع الحياة في العصور الوسطى لم تكن بنفس تعقيدها وتنوعها في عصرنا الحديث، وكانت وسائل ترفيههم التنزه والتسامر بالأحاديث (وهذا ما قوّى الصنعة الكلامية مقارنة بما هي عليه اليوم وقد قل التواصل والتخاطب والتلفت للأسلوب و..) مع الأحباء والخلان.  وما تقوم به المسارح والسينما والتلفزيون والإذاعة ربما كان يقوم به شخص واحد هو مهرج الملك ووظيفته إضحاك الملك وتسليته، وقد يكون المهرج شاعراً حكيماً. وقد يطوي جوانحه على نبل وشهامة ، وقد يكون موهوباً في الشعر والظرف والنادرة الحاضرة ولكنه قد يكون موصوفاً مع ذلك بالأنانية والجبن وسوء الخلق والشره في المال مثل أبي دلامة مهرج الدولة العباسية في عصرها الأول .


زمن الخليفة العباسي الأول أبي العباس السفاح (132هـ – 136هـ)


زمن الخليفة الثاني المنصور أخو السفاح (137هـ – 158هـ)

رثاه السفاح واسترضاءه المنصور

[الأغاني] رثى السفاح ومدحه عند المنصور فغضب لذلك وأراد إخراجه إلى الحرب فاسترضاه.

روي أنه لما توفي الخليفة العباسي أبو العباس السفاح دخل أبو دلامة على خليفته المنصور والناس عنده يعزونه، فأنشد قصيدته التي فيها يقول:

أمسيت بالأنبار يابن محـمـدٍ ** لم تستطع عن عقرها تحويلا
ويلي عليك أهلـي كـلـهـم ** ويلا ً وعولاً في الحياة طويلا
فلتبكين لك النساء بـعـبـرةٍ ** وليبكين لك الرجـال عـويلا
مات الندى إذ متَّ يا بن محمدٍ ** فجعلته لك في التراب عديلا
إني سألت الناس بعدك كلهـم ** فوجدت أسمح من سألت بخيلا
ألشقوتي أخرت بعدك للـتـي ** تدع العزيز من الرجال ذليلا
فلأحلفـن يمـين حـق بـرةً ** بالله ما أعطيت بعدك سـولا

قال: فأبكى الناس قوله. وغضب المنصور غضباً شديداً وقال: إن سمعتك تنشد هذه القصيدة لأقطعن لسانك. قال: يا أمير المؤمنين، إن أبا العباس أمير المؤمنين كان لي مكرماً، وهو الذي جاء بي من البدو، كما جاء الله بإخوة يوسف إليه، فقل كما قال يوسف: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين». فقال المنصور: قد أقلناك يا أبا دلامة، فسل حاجتك. قال: يا أمير المؤمنين، قد كان أبو العباس أمر لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوباً وهو مريض ولم أقبضها. فقال المنصور: ومن يعلم ذلك؟ قال: هؤلاء وأشار إلى جماعة ممن حضر فوثب سليمان بن مجالد وأبو الجهم فقالا:

صدق أبو دلامة، نحن نعلم ذلك. فقال المنصور لأبي أيوب الخازن وهو مغيظ: يا سليمان ادفعها إليه وسيّره إلى ذا الطاغية يعني عبد الله بن علين، وكان قد خرج بالشام وأظهر الخلاف فوثب أبو دلامة وقل: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن أخرج معهم، ووالله ما أحب أن يجرب ذلك مني على مثل هذا العسكر، فإني لا أدري أيهما يغلب: يمنك أو شؤمي، إلا أني بنفسي أوثق وأعرف وأطول تجربة. فقال الخليفة: دعني وهذا، فمالك من الخروج بد. قال: فإني أصدقك الآن، شهدتُ والله تسعة عشر عسكراً كلها هزمت، وكنت سببها، فإن شئت الآن على بصيرة أن يكون عسكرك تمام العشرين فافعل. فضحك المنصور وأمره أن يتخلف مع عيسى بن موسى بالكوفة.

_______

أمره روح بن حاتم بمبارزة خارجى فخدعه:
يروي عن نفسه أنه أتي بي المنصور أو المهدي وأنا سكران، فحلف ليخرجني في بعث حربٍ، فأخرجني مع روح بن حاتم المهلبي لقتال الشراة . فلما التقى الجمعان قلت لروح: أما والله لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثرت في عدوك اليوم أثراً ترتضيه. فضحك وقال: والله العظيم لأدفعن ذلك إليك، ولآخذنك بالوفاء بشرطك. ونزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفعهما إلي، ودعا بغيرهما فاستبدل به. فلما حصل ذلك في يدي وزالت عني حلاوة الطمع، قلت له: أيها الأمير، هذا مقام العائذ بك ،وقد قلت بيتين فاسمعهما. قال: هات. فأنشدته:

إني استجرتك أن أقدم في الوغى ** لتطاعنٍ وتـنـازلٍ وضـراب
فهب السيوف رأيتها مشهـورةً ** فتركتها ومضيت في الهـراب
ماذا تقول لما يجيء ومـا يرى ** من واردات الموت في النشاب

فقال: دع عنك هذا وستعلم. وبرز رجل من الخوارج يدعو للمبارزة، فقال: اخرج إليه يا أبا دلامة. فقلت: أنشدك الله أيها الأمير في دمي. قال: والله لتخرجن. فقلت: أيها الأمير فإنه أول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا، وأنا والله جائع ما شبعت مني جارحةٌ من الجوع، فمر لي بشيءٍ آكله ثم أخرج. فأمر لي برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت عن الصف، فلما رآني الشاري أقبل نحوي عليه فروٌ وقد أصابه المطر فابتل، وأصابته الشمس فاقفعل وعيناه تقدان، فأسرع إلي. فقلت له: على رسلك يا هذا كما أنت فوقف. فقلت: أتقتل من لا يقاتلك؟ قال: لا. قلت: أتقتل رجلاً على دينك؟ قال: لا. قلت: أفتستحل ذلك قبل أن تدعو من تقاتله إلى دينك؟ قال: لا، فاذهب عني إلى لعنة الله. قلت: لا أفعل أو تسمع مني. قال: قل. قلت: هل كانت بيننا قط عداوةٌ أو ترةٌ، أو تعرفني بحالٍ تحفظك علي، أو تعلم بين أهلي وأهلك وتراً؟ قال: لا والله. قلت: ولا أنا والله لك إلا جميل الرأي، وإني لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين دينك وأريد السوء لمن أراده لك.

قال: يا هذا جزاك الله خيراً فانصرف. قلت: إن معي زاداً أحب أن آكله معك، وأحب مواكلتك لتتوكد المودة بيننا، ويرى أهل العسكر هوانهم علينا. فقال: فافعل. فتقدمت إليه حتى اختلف أعناق دوابنا وجمعنا أرجلنا على معارفها والناس قد غلبوا ضحكاً. فلما استوفينا ودعني. ثم قلت له: إن هذا الجاهل إن أقمت على طلب المبارزة ندبني إليك فتتعبني وتتعب. فإن رأيت ألا تبرز اليوم فافعل. قال: قد فعلت. ثم انصرف وانصرفت. فقلت لروح: أما أنا فقد كفيتك قرني فقل لغيري أن يكفيك قرنه كما كفيتك، فأمسك. وخرج آخر يدعو إلى البراز، فقال لي: اخرج إليه. فقلت :

إني أدعوذ بروحٍ أن يقـدمـنـي ** إلى البراز فتخزى بي بنو أسـد
إن البراز إلى الأقران أعلـمـه ** مما يفرق بين الروح والجـسـد
قد حالفتك المنايا إذ صمدت لهـا ** وأصبحت لجميع الخلق بالرصـد
إن المهلب حب الموت أورثـكـم ** وما ورثت اختيار الموت عن أحد
لو أن لي مهجةً أخرى لجدت بها ** لكنها خلقت فـرداً فـلـم أجـد

فضحك وأعفاني.

_______

أمره مروان بن محمد بمبارزة خارجى ففر منه: أخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة قال قال أبو دلامة: كنت في عسكر مروان أيام زحف إلى سنانٍ الخارجي. فلما التقى الزحفان خرج منهم رجلٌ فنادى: من يبارز! فلم يخرج إليه أحدٌ إلا أعجله ولم ينهنهه . فغاظ ذلك مروان وجعل يندب الناس على خمسمائة، فقتل أصحاب الخمسمائة، فزاد مروان وندبهم على ألفٍ، ولم يزل يزيدهم حتى بلغ خمسة آلاف درهم. وكان تحتي فرس لا أخاف خونه؛ فلما سمعت بالخمسة آلاف ترقبته واقتحمت الصف. فلما نظرني الخارجي علم أني خرجت للطمع؛ فأقبل إلي متهيئاً وإذا عليه فروٌ قد أصابه المطر فابتل، ثم أصابته الشمس فأقفعل، وإذا عيناه تقدان كأنهما من غورهما في وقبين . فلما دنا مني أنشأ يقول:

وخارج أخرجه حب الطـمـع
فر من الموت وفي الموت وقع
من كان ينوي أهله فلا رجـع

فلما وقرت في أذني انصرفت عنه هارباً. وجعل مروان يقول: من هذا الفاضح؟ إيتوني به، فدخلت في غمار الناس فنجوت.

_______

تكسبه بالأحلام

لفق رؤيا للمنصور وأخذ منه ثيابا: نسخت من كتب ابن النطاح قال: دخل أبو دلامة على المنصور فأنشده:

رأيتك في المنام كسوت جلدي ثياباً جمةً وقضـيت دينـي
فكان بنفسجي الخـز فـيهـا وساجٌ ناعمٌ فـأتـم زينـي
فصدق بافدتك النـفـس رؤيا رأتها في المنام كذاك عيني

فأمر له بذلك وقال له: لا تعد أن تتحلم علي ثانيةً، فأجعل حلمك أضغاثاً ولا أحققه.

_______

لفق رؤيا لتمار وأخذ منه تمراً”: قال ابن النطاح: ومر أبو دلامة بتمار بالكوفة فقال له:

رأيتك أطعمتني في المنـام قواصر من تمرك البارحة
فأم العيال وصـبـيانـهـا إلى الباب أعينهم طامـحة

فأعطاه جلتي تمر وقال له: إن رأيت هذه الرؤيا ثانيةً لم يصح تفسيرها. فأخذهما وانصرف.

_______


زمن المهدي، ابن المنصور (158هـ – 169هـ)

أمره المهدي بهجاء أحد الحضور فهجا نفسه: أخبرني محمد بن أحمد عن أحمد بن الحارث عن المدائني قال: دخل أبو دلامة على المهدي وعنده إسماعيل بن محمد وعيسى بن موسى والعباس بن محمد ومحمد بن إبراهيم الإمام وجماعة من بني هاشم. فقال له: أنا أعطي الله عهداً لئن لم تهج واحداً ممن في البيت لأقطعن لسانك – ويقال إنه قال: لأضربن عنقك – فنظر إليه القوم، فكلما نظر واحد منهم غمزه بأن عليه رضاه. قال أبو دلامة: فعلمت أني قد وقعت وأنها عزمةٌ من عزماته لا بد منها، فلم أرى أحداً أحق بالهجاء مني، ولا أدعى إلى السلامة من هجاء نفسي، فقلت:

ألا أبلـغ إلـيك أبـا دلامة فليس من الكرام ولا كرامه
إذا لبس العمامة كان قـرداً وخنزيراً إذا نزع العمامـه
جمعت دمامةً وجمعت لؤماً كذاك اللؤم تتبعه الدمامـه
فإن تك قد أصبت نعيم دنـيا فلا تفرح فقد دنت القيامه

فضحك القوم ولم يبق منهم أحدٌ إلا أجازه.

قال شعراً في المهدي وعلي بن سليمان وقد خرجا للصيد فأصاب الأول وأخطأ الثاني: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير عن عمه قال: خرج المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد، فسنح لهما قطيعٌ من ظباء، فأرسلت الكلاب وأجريت الخيل، فرمى المهدي ظبياً بسهم فصرعه، ورمى علي بن سليمان فأصاب بعض الكلاب فقتله. فقال أبو دلامة:

قد رمى المهدي ظبياً شك بالسهم فـؤاده
وعلي بن سـلـيمـا ن رمى كلباً فصاده
فهنيئاً لهـمـا كـل امرئ يأكـل زاده

فضحك المهدي حتى كاد أن يسقط عن سرجه، وقال: صدق والله أبو دلامة، وأمر له بجائزة سنية. أخبرني بهذا الخبر عمي عن الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي فذكر مثل ما ذكره وقال فيه: فلقب علي بن سليمان ” صائد الكلب ” وعلق به.

_______


أهم مصدر لما ذكرت هو من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وقد رويت نوادره في غيرها من كتب التاريخ والأدب وخصّ بعضها به بل وألّفت روايات عن شخصيته مثل رواية علي أحمد باكثير في بداية القرن العشرين، ولعلنا نواصل ذكر بعض نوادره لاحقا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s