آزر وتارح بين الأسطورة والافتراض

مر بي موضوع اليوم في اسم آزر وعلاقته باسم تارح من خلال طرح شاركه أحد الإخوة. ملخصه أن : آزر هي الترجمة العربية للمعنى البابلي في اسمه العبري.

حيث أن أصل تارح في (البابلية) طارح وتأتي من الجذر العبري-الآرامي (طرح) وهي بمعنى (حمل ما يوقر ظهره) وهي بمعنى (وازر) في العربية ولم يقدّم على الاسم الأصلي (تارح أو طارح) حتى لا يتوهم متوهّم أنها بالمعنى العربي (طارح) اسم فاعل من طرح التي بمعنى ألقى او(تارح) من ترح بمعنى حَزِنَ فهو محزون.
اما لماذا تم تغيير اللفظ العربي من وازر لآزر فهو اشتقاق فقط لأن وازر تعني الآثم و هذا ليس مقصودا من معناه الذي سمي به آزر.

 

وقد استقى هذا الطرح من كتاب: إعجاز القرآن في أعجمي القرآن (1991م) لـ : رؤوف أبو سعدة. وهو أنفس ما عرفت في الباب. وله ترجمة إلى الإنجليزية تحت عنوان:

 The Onomastic miracle in the Koran : Koran erudite explanation of non-Arab proper names

[للتحميل] [للتصفح مباشرة ص 260]

 

واستظهر المؤلف بنعمة من الله ست طرق يفسر بها القرآن عَلَمَه الأعجمي؛ وهي:[1]

  1. التفسير بالتعريب ومثاله ميكال عليه السلام.
  2. التفسير بالترجمة ومثاله ذو الكفل عليه السلام.
  3. التفسير بالمرادف ومثاله موسى عليه السلام.
  4. التفسير بالمشاكلة ومثاله زكريا عليه السلام.
  5. التفسير بالمقابلة ومثاله عاد.
  6. التفسير بالسياق العام ومثاله لوط عليه السلام.

وما يعجبني في مثل هذا الطرح هو قلب مجال الشبهة إلى حجة وإعجاز.


تعليق:

وهذا من حيث القياس في تعامل القرآن مع غيره من أسماء الأعلام الأعجمية غير معهود. لكنها فرضية ساحرة للجمع بين الاسمين. وصحيح أن جذر طَرَح (טרח) يفيد معنى الثقل والوزر في الآرامية والعبرية[2] وهو المعنى المعتمد في اللغة السامية الافتراضية[3]، بل حتى المعنى العربي قريب من ذلك فطرحك للشيء على الدابة مثلا هو إلقاء بثقله عليها. ولكن يبقى من الصعب اعتمادها إلا في حال الجدال.

فلا يُعلم يقينا معنى تارح أو أصله. ولكن المشهور قديما في معاجم أسماء الأعلام للكتاب المقدس: تأثيل تِرَح  بمادة روح، وقد يفهم منها معنى السياحة في الأرض وهذا يتوافق مع كونه لقبا لأنه هاجر أو بمعنى خزع وأبطأ وبعضهم يقرّبها بالأكادية تُراحو وتعني “وعل الجبل”.[4]

وهذا الموضوع دفعني اليوم لقراءة فرضية العقاد في كتابه “إبراهيم أبو الأنبياء” في باب اللغة (ص128-129) ومفادها أن “آزر” هو تصحيح لنطق تِرَح أو آتيره. نتيجة تصحيف أو تحوّرٍ لساني قلب الزاي إلى حرف صفير مركب “تس” وقلب الهاء حاء. وربط في افتراضه “آزر” بـ : آسور أو آشوري (كاسم علم لأبيه أو الجد الجامع أو نسبةً إلى الوطن). وهذا يبدوا بعيدا وفيه تكلّف ظاهر ويخلو من منهجية واضحة في اللسانيات المقارنة.

أما السائد اليوم في البحوث الأركيولوجية، هو أن كلمة “تارح” توافق المعنى العبري للقمر أو الشهر “يارح”. فبعد العثور على النصوص الأوغاريتية في ممارساتهم الدينية، تبيّن أن “تارح” اسم لإله القمر (وهو ذاته أبو الآلهة والخالق أو الإله “سين” في المعتقدات البابلية والآشورية).

ومعروف في سفر التكوين 11:31 هجرة تارح وأهله إلى حران[5] “مدينة عبادة إله القمر”:
“وَأَخَذَ تَارَحُ أَبْرَامَ ابْنَهُ، وَلُوطًا بْنَ هَارَانَ، ابْنَ ابْنِهِ، وَسَارَايَ كَنَّتَهُ امْرَأَةَ أَبْرَامَ ابْنِهِ، فَخَرَجُوا مَعًا مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى حَارَانَ وَأَقَامُوا هُنَاكَ.” وفي التعليقات المدراشية أنهم اكتسبوا فيها مكانة رفيعة وأراضي شاسعة.

خريطة رحلة إبراهيم

خريطة رحلة إبراهيم

طبعا ما يروجّه أصحاب النشأة الأسطورية هو أن أهل حاران -المدينة التي تعايش فيها الوثنيون والصابئة إلى جانب بقية أهل الكتاب- ادّعوا أن إبراهيم كان ابن إله القمر تارح ليَروُج الحج إلى مدينتهم[6] وغيرهم من المنظّرين يعتبر “ابن إله القمر” لقب تشريف بمعنى المحفوظ تحت رعاية الإله [7].

ولو صحّ هذا فيمكن تصوّر أن تارح لم يكن اسمه البتة ولكن مجرد لقب كهنوتي كخادم لمعبد القمر.[8]

ومن الطريف أن في اللغات الأمازيغية وهي ابنة عمة للغات السامية في التصنيف اللساني الحديث. أن مادة زر[9] تعني القمر (زيري/تزيري).

ثم هناك من يُأوّل كلمة آزر والفرضيات تطول … والله أعلم بمآل الأمور.


وخروجا من الفرضيات التقليدية في كتب التفسير والتاريخ؛ أعيد هنا طرح تساؤلي: هل آزر هي الترجمة العربية لمعنى تارح في البابلية أم أن تارح لقب ديني ارتبط بالعبادات السائدة في ذلك الزمن؟ أم أن وراء هذا التباين حكمة خفية.

وإلى أن يثبت شيء مؤكد، فيظل القرآن هو الصحيح والتوراة خاطئة أو محمولة على التأويل.


[1] (تعريف بالكتاب) أحمد العساف، من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن

[2] Gesenius’ Hebrew-Chaldee Lexicon

[3] Starling proto-semitic database

[4] Jewish Encyclopedia

[5] حاران وأوغاريت مدينتان متقاربتان جغرافيا إلى شمال سوريا وهذه الطقوس والمعتقدات متزامنة

[6] Yoel Nata, Moon-o-theism, Volume I of II, p.518

[7] THE JOURNEY OF TERAH, p5, 2005

[8] أو أنه مجرد اسم متداول، مثلما هو عند العرب

[9] Mohand Akli Haddadou, Dictionnaire des racines berbères communes, Racine n°994 “ZR”, p.239.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s