بين أكراد وكرد

إثر ظهور النزعات القومية والعرقية والتي كانت سببا وكانت لها سببا النزعات السياسة وحب التملك والسلطة. رفض بعض مثقفي الكرد لفظة أكراد مطلقا مقتصرين على لفظة كرد بل وأن بعضهم لا يقبل أن يكتبها في العربية إلا كورد خلافا للإملاء العربي، مبررين ذلك بقياس كلمتي عرب وأعراب.

فهل وزن “أفعال” فيه دلالة انتقاص واحتقار؟ كونه جمع قلة أو ربما لارتباطه بكلمات ذات دلالات سلبية؟

أقول إن الأمر مختلف فأوزان اللغة العربية لا تقاس من انطباع كلمة واحدة. وتعريفكم الذي جئتم به لم يسبقكم إليه أحد.

أولا: من قال أن كلمة أعراب هي مذمومة مطلقا، فإن كنتم لا تقولون أنها سبة كلها فاقبلوا استعمالها على بدوكم وإن شئتم عممتم وألحقتم بها ساكني أريافكم وهم أكثر سكان الكرد.

أما دلالتها القرآنية فمختلفة ولها سياقها فمن الأعراب هنا “من” التبعيضية وهي لا تخصهم بل أن من أهل المدينة منافقون أيضا. ولذلك قال الله : ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ). والنفاق آفة قلبية لا يجزم بها المرء وإن كان لها علامات يراها الناس.

أما قوله تعالى : ( الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ). فهذا وجه للمقارنة النوعية مع أهل الأمصار والحواضر أي أن كفار الأعراب أشد من كفار المدن وبقية العرب بسبب جفاوتهم وقساوتهم وقلة مشاهدتهم لأهل الخير. وهم أبعد عن منابع العلم فلا يعلمون ما أنزل الله لأنهم رُحّل. وهو كذلك من باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده كقوله تعالى (وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا). ولأن الأعراب ليسوا كلهم كذلك، فقد بين الله في الآية التي بعدها في قوله: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ).

والأعراب هم عرب أقحاح لكنهم بدو رحّال لم يتمدنوا ولم يستقروا فأورثهم هذا نوعا من الجفاء. وهذا مشاهد ومعاين. لبعدهم عن التمدن وعيشهم في صراع وتوتر مستمر وتتبعهم الكلأ وفقدهم لين الجوار وبعدهم عن الأنيس (ومنه قيل مستوحش وقيل وحش). فغابت عنهم كثير من الأخبار وأدبيات العيش الحضاري والقوانين الاجتماعية المدنية.

ثانيا:

  • أعراب اسم جنس يجوز النسبة إليه فتقول أعرابي.
  • أما أكراد فجمع باق على أصله لا ينسب إليه. وهو كذلك دلالة على تعدد القبائل والمناطق.

وهذا جار في كثير من الأمم، فيقال : أقباط وأنباط وأحباش وأتراك في القبط والنبط والحبش والترك. ولم يخصهم أحد بتعريف كونهم بدوا.
وفي أسماء المدن : أخلاط (وهي من أصل أرماني خلاط)
وكلمات عامة مثل : أخبار، أعمار، أتراب، أشبار، أسرار، أدبار .. فهل سنتوقف عن استعمال كل هذه الكلمة لأن وزنها مشابه لوزن أعراب؟

ثالثا:
هل يجب علينا أن نتوقف عن استعمال كلمة كرد لاحقا لأنها على وزن عُرْب وقد تكون فيها دلالة انتقاص عند بعضهم؟ أو علينا أن نقيسها على أوزان مثل : كُفر و خُبث ؟

أخيرا:
إن الأمر ينطبق كذلك على الاشتقاقات الحديثة والأوزان القديمة فليس فيها انتقاص من حيث أصل اللفظة مثل : أمريكان إسبان بريطان فرنجة صقالبة هنود… وإنما ما يستحسِن ويستقبِح هي الخلفية الثقافية.

فكلمة إسرائيل مستهجنة عند العرب للخلفية المترتبة عليها وإن كان اسم نبي .. بينما من خلال خلفية ثقافية مغايرة : بعض الكرد العلمانيين يعتبرون إسرائيل الدولة الحليفة المضطهدة المماثلة..
(فترون أن مع استعمالي لكلمة كرد في هذه الجملة فإن الانطباع كان قبيحا بسبب الفعل لا بسبب العرق). فلا يمكن أبدا أن ننطلق من المسمى لنحكم على شعب أو عرق


وتتواصل العنصرية .. وكل عرق يرى له الفضل .. فيرى الكرد أنفسهم خير الأمم .. وكذلك يفعل الفرس والعرب والترك والأوروبيون واليابانيون وغيرهم…

رأيان حول “بين أكراد وكرد

  1. شكراً على مقالتك الرائعة،،، وتبادر إلى ذهني سؤال وهو في أي موضع نستخدم كلمة أكراد ومتى نستخدم كلمة كرد ؟ وهل تختلف التسمية حسب موقعها من الجملة ؟
    وشكراً

    Liked by 1 person

    1. لا أعلم ضابطا واضحا في الاستعمال المعاصر، لكن لفظة “كرد” اسم جنس جمعي فيطلق متى أريد عموم الجنس، وتطلق في الأصل لفظة أكراد جمعا لكرد دلالة على تنوع الأكراد بلغاتهم وقبائلهم ومناطقهم ونحو ذلك قياسا على ما سلف من أسماء نحو نبط وأنباط وترك وأتراك وقبط وأقباط. ومن نقول ذلك ما يذكره الجوهري في التاج:(والنَبَط والنَبيط: قوم ينزلون بالبطائح بين العراقَين، والجمع أنْباط). ويذكر الفيومي في المصباح: (وَالتُرْك جيل من الناس والجمع اََتْرَاك وَالواحد تُرْكِيّ مثل: روم ورُومِيٍّ).

      ويدخل في ذلك غيره من أوزان جموع اسم الجنس مثل عرب وأعرُب أو عُرْب وعَجَم وأعاجِم وحبش وأحباش وزنج وزنوج وأعراب وأعاريب وجُند وأجناد ويستخلص مفرد كل من أسماء الأجناس هذه بياء النسبة.

      وفي مثل باب الجمع هذا ذهب بعض أهل اللغة إلى تأثيل لفظة أعراب يقول الراغب في المفردات: (العرب: ولد إسماعيل، والأَعْرَاب جمعه في الأصل، وصار ذلك اسما لسكّان البادية). هذا في أصلها ولعلها بذلك نحت منحى لفظة عُرْبان فهي جمع عرب لكن شاعت في البدو خاصة لعدّهم كل أهل قبيلة أو جهة أو نحوها عربا. على أن أعراب -إن صحّ ذلك في أصلها- لم تعد جمع عرب بل صارت اسم جنس على حدة ومفرده أعرابي، وهو ما لم تبلغه ربما لفظة عُربان اليوم.

      وعلى ما ذُكر من جموع تقاس أيضا دلالة جموع اسم الجنس الجمعي عامة بما في ذلك ما يمتاز مفرده بالتاء نحو: شجر وأشجار وثمر وأثمار وورق وأوراق، وموج وأمواج ودمع ودموع أو أدمع ودود وديدان إلى غير ذلك.

      والغاية من جمع اسم الجنس إرادة التكثير أو إبراز التنوع أو التعميم ونحوه. وفي الباب دراسة صرفية دلالية اختصت بجمع اسمي الجمع والجنس قد تفيدكم.

      والله أعلم.

      Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s