إعراب لغة «أكلوني البراغيث» بين التضعيف والأصالة

جملة «أكلوني البراغيث»، جملة عند النحويين أشهر من نار على علم تجري عندهم مجرى المثل. ويجوز في إعراب البراغيث :

  1. أن تعرب البراغيث فاعلا والواو علامة على جمع المذكر (مثلما هي تاء التأنيث في فَعَلَتْ) لا محل لها من الإعراب وهذا الصحيح؛
  2. أو تعرب تابعا (بدلا واستبعدوا أن تكون توكيداً لأن المضمر لا يؤكد بالاسم الظاهر وهذا مذهب يونس بن حبيب. بينما يبدل الظاهر من المضمر.) باعتبار كون الواو ضمير الفاعل وفي هذا تكلّف؛
  3. وقد يؤوله البعض مبتدأ مؤخرا وهذا وإن جاز كوجه إعرابي فرضي إلا أنه بعيد عن واقع المثال المراد.

HiRes
وقد اصطلح على هذا النموذج النحوي بلغة “أكلوني البراغيث”. وبهذا سماها سبيويه في الكتاب، نقلا عن الخليل. يقول: (واعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، وضرباني أخواك، فشبهوا هذا بالتاء التي يظهرونها في: قالت، فكأنّهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامة كما جعلوا للمؤنث علامة) [الكتاب لسيبويه 1 / 226].
ولعل أول من سمّاها بهذا هو أبو عبيدة معمر بن مثنى إذ يقول في “مجاز القرآن“(1/20) : “العرب تجوز في كلامهم مثل هذا أن يقولوا: أكلوني البراغيث، قال أبو عبيدة: سمعتها من أبي عمرو والهذلي في منطقه، وكان وجه الكلام أن يقول: أكلني البراغيث.”
وأبو عمرو الهذلي من فصحاء الأعراب الذين سمع منهم أبو عبيدة، وذكره في غير موضع من كتابه. وهذيل معروف فصاحتها.

وهذه اللغة معروفة في القديم (عند بعض طيء وهي قبائل محتج بفصاحتها وعند بلحارث بن كعب وأزد شنوءة [ينظر مغني اللبيب]) ومعهودة في العصر الحديث فهي أشهر وجه في اللهجات المعاصرة.
وتقتضي موافقة الفاعل للفعل في الجنس والعدد. فتقول في الوجه المشهور من الفصحى: (جاء الرجال وجاءت النسوة) وعلى لغة أكلوني البراغيث تقول (جاؤوا الرجال وجئن النسوة) وهذا الشائع في لهجاتنا الحديثة.

بل وإن الأصل والقاعدة المطردة في إسناد الفعل إلى الفاعل في فرع اللغات الأفروآسيوية واللغات السامية (كالآرامية والعبرية وغيرها) ولغات الجزيرة العربية القديمة (كالحميرية والثمودية واللحيانية) هي لغة أكلوني البراغيث قبل أن تعطّل هذه القاعدة عند بقية العرب باعتبار دلالة الجمع في الفاعل وتحاشيا لتكرار فاعلين، ويُمايز بين العاقل وغيره بالتأنيث. فالقول أنها لغة ضعيفة أو غير فصيحة تجنٍّ على معايير الفصاحة واللغة السليمة.


شواهد قديمة :

وعلى هذه اللغة يخرّج كثير من النحويين مثل هذه الشواهد :

  • قوله تعالى (وأسروا النجوى الذين ظلموا) [الأنبياء 3]؛
  • وقوله تعالى: (ثم عَموا وصَمُّوا كثيرٌ منهم) [المائدة 71]؛
  • وقول النبي صلى الله عليه وسلم (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)؛
    • نسب السيوطي إلى ابن مالك تسميتها بلغة “يتعاقبون فيكم ملائكة”. وفي ذلك يقول في همع الهوامع فى شرح جمع الجوامع  (1/395) :”ومن النحويين من جعلها ضمائر ثم اختلفوا فقيل ما بعدها بدل منها وقيل مبتدأ والجملة السابقة خبر والصحيح الأول لنقل الأئمة أنها لغة وعزيت لطيئ وأزد شنوءة وكان ابن مالك يسميها لغة يتعاقبون فيكم ملائكة وهو مردود كما بينته في أصول النحو وغيره.”
      ونوزع ابن مالك في نسبه الحديث لهذه اللغة ومن جملة الردود إيرادهم طرقا أخرى بغير لفظ الموطأ والصحيحين. كرواية البزاز : (إن لله ملائكة يتعاقبون). وعلى كلٍ فالاستشهاد بالحديث موطن خلاف عند النحويين لجواز الرواية بالمعنى.
      ويشير ابن مالك لهذه اللغة في ألفيته، بقوله :
      وبعد فعل فاعل فإن ظهر ** فهو وإلا فضمير استتر
      وجرد الفعل إذا ما أسندا ** لاثنين أو جمع كفاز الشهدا
      وقد يقال سعدا وسعدوا ** والفعل للظاهر بعد مسند
  • وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (اجتمعن أزواج النبي)؛
    • قال الألباني إسناده صحيح، صحيح النسائي 3956. وجاء في روايات بتقديم أزواج وجاء بلفظ “اجتمع”.
  • وحديث عائشة في صحيح البخاري (أومخرجيّ هم؟)؛
  • وقوله: (من كنّ له ثلاث بنات يؤويهن ويرحمهن ويكفلهن، وجبت له الجنة البتة).
    • حديث جابر بن عبدالله قال فيه الألباني صحيح لغيره (صحيح الترغيب 1975)؛ وجاء بلفظ “من كان له” في الأدب المفرد بسند حسن؛ وبإسناد صحيح على شرط مسلم في (السلسلة الصحيحة 1027).
  • حديث الصحيحين عن ابن عمر في مناجاة الاثنين جاء بلفظ: “إذا كان ثلاثةٌ” وجاء بلفظ “‏إِذَا كَانُوا ثَلاَثَةٌ فَلاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ” فعلى رفع ثلاثةٌ فهي من لغة أكلوني البراغيث وعلى النصب خبر كان.

ولا أستبعد أن يكون قد نزل بعض حروف القرآن على هذه اللغة. وما في لغة قريش يصح فيه أن يكون تخريجه تخريج البدل وتأخير المسند كما يصح أن يكون صيغ تركيبية جامدة من اللغة العربية القديمة (وهذا مشهور معلوم في اللسانيات) كما يصح أن يكون ناتجا عن احتكاكات اللغات وهذا عندي مستبعد ولو أنه يدعم ما أسميه بـالالتفاتات اللهجوية وهو استعارة أسلوب لهجوي أجنبي لغاية بلاغية.

والشواهد في غير هذه المواضيع وفي أشعار العرب كثيرة، أكتفي بذكر أشهر بيتين فيها:

قول عمر بن أبي ربيعة القرشي:
رأين الغوائي الشيب لاح بعارضي ** فأعرضن عني بالخدود النواضر

وقول أبي تمام (من متأخري طيء) :
فلو كانت اﻷرزاق تجري على الحجا ** هلكن إذن من جهلهن البهائم


شواهد معاصرة عشوائية:

وﻷن أحدهم سألني عن أمثلة ورود هذا في اللهجات العامية الحديثة والدارجة، أخذت أتتبع بعضها وأذكر منها  :

  • لهجات المغرب من ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا تقول بلغة أكلوني البراغيث قولا واحدا ولا تعرف غيره إلا من خلال الفصحى وما خالف لغتهم بلسان عاميّ استقبحوه واعتبروه لحنا، لايقع فيه حتى الصبية. فنقول : جاوْ الرجال وراحوا الناس وضربوني صحابك.
  • أما من العامية المصرية فلعل أشهر الأمثلة : أغنية أم كلثوم “ظلموني الناس” : ظلموني الناس ظلموني .. والجاني سابوه واتهموني .. وإلى أن يقول: حاربوني الكل وغلبوني.
    • وهي من كلمات محمود بيرم التونسى لا يغركم الاسم فهو وإن ولد لعائلة تونسية إلا أنه ولد في الإسكندرية، وهو من أشهر من كتبوا الشعر والزجل بالعامية المصرية.
  • وكذلك لغة أهل السودان، فلن تجد الناس تقول حضر التلاميذ ولكن حضروا التلاميذ.
  • والأمر مطّرد في العامية الفلسطينية : ناموا الأولاد ، وقاموا الأولاد ، وقمن البنات بالواجب
  • ومن لبنان أغنية فيروز : “سألوني الناس” (كلمات الأخوين رحباني)
  • وبالأردن والعراق : ذهبوا الأولاد، وحضروا الضيوف.
  • أما في اليمن. فقد سألت أهل الوسط، وأُخبرتُ أن كلتا اللغتين متواجدة ومستعملة في المحيط الواحد، وقد ينوّع الشخص من استخدامها. فيقال : أكلوا أصحابك ؟.
  • وسألت من أهل الكويت والسعودية فكان جوابهم أن المشهور عندهم لغة (أكلوني).
  • ولعل هذا السائد في الخليج جواز الوجهين، فيقال: وصل الضيوف ووصلوا الضيفان.

أقتطف عشوائيا أمثلة لذلك من خلال محرك البحث بكتابة صيّغ جامدة “…”:

  • “يا ربعنا وصلوا الضيفان ** وبيت الشعر ماكتمل مبناه
    والضيف له قيمته ياخوان  ** اهلا هلا به وفي ملفاه”
    للشاعر محمد بن عبدالعزيز الخنيفر – من أُشيقر، نجد؛
  • “وإذا صلحت لها وعجبتها، جاؤوا الرجال وخطبوها” (مجلة تراث : الموروث الثقافي والديني في الإمارات التراث عدد 191 ص76، 2015)؛
  • “أنا هون جنّيت، ضربني وكان بدّو يقوّصني لو ما دخلوا الجيران. ما تركت البيت” (رسالة محلية لمنظمة لبنانية – KAFA organisation : (enough) Violence & Exploitation)؛
  • “ولما حضروا الشرطه حصلوه معلق نفسه في المروحه” (عمان)؛
  • “والله إذا طبخوا الحريم كل الأكل يروح لرجال” (تغريدة سعودية)؛
  • “لازم أدخل أشوف أيش طبخوا الحريم لا يبخسين بوجيهنا عند الضيوف” (يمن).
    بل وأن الكثير من المشارقة والخليجيين والمغاربة على حد سواء قد يكتبون بالفصحى على المنتديات والمدونات ويسهون عن هذا ﻷن للهجاتهم مرجعية فطرية اكتشفوها على مر تلقيهم للفصحى.

هذا وإن كان لا يجوز القياس على العامية والأغاني إلا أن المقصود هو امتداد تأثير هذه اللهجة العربية القديمة إلى لغة الحديث اليومية المتداولة في العصر الحديث. حتى عدّها الحريري (446-516هـ) من أغلاط العامة ولحنهم وردّ عليه الشهاب الخفاجي (977 – 1069هـ) : “وليس الأمر كما ذكره، فإن هذه لغة قوم، من العرب، يجعلون الألف والواو، حرفي علامة للتثنية والجمع، والاسم الظاهر فاعلا، وتعرف بين النحاة بلغة: أكلوني البراغيث؛ لأنه مثالها الذي اشتهرت به، وهي لغة طيئ، كما قاله الزمخشري. وقد وقع منها في الآيات، والأحاديث، وكلام الفصحاء ما لا يحصى” أو قال يخفى.

يُرجع إلى شرح درة الغواص في أوهام الخواص للخفاجي ص 65 / 152. أورد ذلك د. رمضان عبدالتواب فصول في فقه العرب  وبحوث ومقالات في اللغة. ]


خلاصة :

لا يمكن القول أن هذه اللغة غير فصيحة أو أنها ضعيفة، وإن قال بذلك من جهلها. وذلك لعدة اعتبارات:[1]

  1. لكونها لغة بعض القبائل المحتجّ بلغتها في المعايير التراثية للفصحى كطيء وبلحارث بن كعب[2] وأزد شنوءة. وقبائل الأزد الداخلية معروفة بالفصاحة ولا سيما أزد السراة حتى قال الخليل بن أحمد: “أفصح الناس أزد السراة”. ولم تزل الفصاحة في أهل السراة حتى بعد عصور الاحتجاج. ولفت ذلك أنظار العلماء والرحالة المتأخرين كابن بطوطة في القرن الثامن ومن جاء بعدهم. وهؤلاء أكثر حظوة من أزد عمان أو غسان لبعدهم أو مجاورتهم للعجم.
  2. لكونها الأصل قي اللغات السامية إذ يعامل الفعل في هذه اللغات معاملته في هذه اللغة فيثنى مع الفاعل المثنى و يجمع مع الفاعل الجمع مذكراً أو مؤنثاً حسب وروده.
  3. لوجود أمثلة حيّة لازالت شاهدة إلى اليوم، تتمثل في لهجاتنا العامية، إذ نقول: (ظلموني الناس) و (زاروني الأقارب).
  4. لوجود أدلة وشواهد كثيرة من القرآن والحديث وأشعار العرب وكلامهم تدعمها و تصرخ بفصاحتها.

وعليه فإننا نحن -المتحدثون باللغة العربية والوارثون لسننها- أدرى أننا إذا أسندنا الفعل على هذا النسق ما أردنا به بدلا ولا تابعا وإنما فاعلا.


قد يعترض أحدهم بقوله إنك تقول “جاؤوا” ويكون الفاعل معرّفا مفهوما في الكلام أنهم جماعة لظهور الواو. فأقول إن هذا مصادرة على المطلوب، فلماذ لم تقس قولك “جاء” أو “جاءت” واعتبرت فاعلها مستترا ولم تعتبره في الأخرى.

ولماذا لم تعرب تاء التأنيث فاعلا؟ قد يقولون “فَعَلَتْ” تحتمل التاء أن تكون فاعل كل مؤنث حقيقي أو مجازي مفردا كان أو جمعا؛ لذلك فلابد من رفع هذا اللبس بذكر الاسم الظاهر (أو البدل) الذي يحدد الفاعل بدقة.

فلماذا تعرب الألف والواو في الأمر فاعلا؟

وهذا بحد ذاته كاف ليقلب أركان الإعراب ويلغي إعراب ضمائر تصريف الفعل فاعلا. فنحن نعلم اليوم أن الأصل فيها علامات على العدد أو الجنس ليس إلا.


لمزيد من الدراسات أحيلكم إلى :


 

[1] مجلة الواحة، العدد 22، اللهجات المحلية في الخليج : اللهجة في القطيف مثالاً.
[2] وعلى لغتهم يخرّج بعضهم قوله: (قالوا إن هذان لساحران)؛ وقول النبي: (لا وتران في ليلة).

 

رأي واحد حول “إعراب لغة «أكلوني البراغيث» بين التضعيف والأصالة

  1. وسبب كتابتي للمقالة كان أن مشرقيّا تهكّم مرةً على هذه اللغة فظننتهم لا يستعملونها فإذا هم هي يستعملون. ثمّ أن اللغة الحديثة (الوجه المشهور في الفصحى) لو قارنّها من ناحية تطورية فرضية لما سبقها فستكون مثل لغة العمالة الأعجمية التي يستخدمها الخليجيون. كمثل:

    صديق أنت يروح يسوي كذا
    أنا يروح ينادي على نفر أنت

    ومثلها : جاء الرجل / جاء الرجلان / جاء الرجال
    ومثلها الإنجليزية بعد أن تدهورت فاستوى عندها الصرف
    I do / you do / they do

    لا أقول أنها لغة أعجمية لكن انتشارها في العربية الشمالية والعدنانية خاصة قد يكون مسوّغا للقول أن هذه من الميزات التي ربما باينت فيها لغة بني إسماعيل لغة غيرهم (إن صحت هذه النسبة) وجُعلت نموذجا يحتذى به مثلما يروى عن الإسبان الذين أبدلوا السين ثاء لأجل لثغة في لسان ملكهم. ولكن هذا بعيد إذ أنّه لُقّنها من أول أيامه ومحيطه جرهمي وأمهات أبنائه كذلك ومنهن اللغة وتبقى محاولة لربط النصوص فيما تميّزت به عربية إسماعيل التي ذكرها النبي أو تراه يقصد -عليه الصلاة والسلام- أن أول أجداده كلاما بالعربية هو إسماعيل. ومنهم من يعزّي هذا التحوّر اللغوي (باعتماد صحته) إلى الاقتصار على القرائن والتخفيف من الحشو في الكلام والاصطفاء والاختيار في الأساليب حتى ذاعت.

    قد أكون تجوّزت في هذا. وإلا فاللغة العربية هي ما تحدث به أهلها لا ما كانت عليه قبل ألاف السنين. فهذا النوع من القياس فاسد. والقرآن قد نزل بأفصح لسان عند العرب آنذاك. ولن أستبعد أن يكون قد نزل بعض حروفه على هذه اللغة. ولا يعدوا كلامي أن يكون ردا في إيضاح المقال لمن لم يفهم التنوع في اللسان.

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s