شرح مرثية الفرزدق بنيه

في حديث عن مرثيّة الفرزدق لبنيه، أحببنا أن ننشر شرحا بسيطا لأبياتها لعلنا نعيد تحقيقيها وتفصيلها إن تيسّر الأمر لاحقا، تم اعتماد شرح إيليا الحاوي (الجزء الأول – ص 369). ولم يتسن لي النظر في غيره من الشروح. فليُنظر في آخر الجزء الأول من شرح الصاوي أيضا.


شرح القصيدة

تَمَنّى المُسْتَزِيدَةُ لي المَنَايَا، *** وَهُنّ وَرَاءَ مُرْتَقِبِ الجُدُورِ

قال في رثاء أبنائه إن القوم ما زالوا يتمنون له الموت وهو مقيم فيه وراء الجدر أي جدارن القبر بأبنائه.


فَلا وَأبي لَمَا أخْشَى وَرَائي *** مِنَ الأحْدَاثِ والفَزَعِ الكَبيرِ

يقول إنه لم يعد يخشى الغوائل والأحداث المجلية.


أجلُّ عَليّ مَرْزِئَةً، وَأدْنَى *** إلى يَوْمِ القِيَامَةِ وَالنُّشُورِ

المُرْزِئة : المصاب


مِنَ البَقَرِ الذينَ رُزِئْتُ، خَلَّوْا *** عَليّ المُضْلِعَاتِ مِنَ الأمُورِ

البقر : هم أولاده. المضلعات : الأمور العسيرة.


أمَا تَرْضَى عُدَيّةُُ، دُونَ مَوْتي، *** بما في القَلْبِ مِنْ حَزَنِ الصّدورِ

يقول إنه عظيم المصاب، ولا يرضى الناس به دون موته.

وبنو عُديّ بني عبد مناة بن أد، قوم بجوارهم في البصرة. كانت استجارت النوار -زوجة الفرزدق- بفتية منهم يقال لهم بنو أم النسير ليأخذوها إلى عبد الله بن زبير تشتكي الفرزدق أنه تزوجها بخدعة. والقصة معروفة، ثم أنه ذكرهم في شعره. ومنه قوله:

لَعَمْرِي لَقَدَ أرْدَى نَوَارَ وَسَاقَها ** إلى الغَوْرِ، أحْلامٌ قَليلٌ عُقولُها
أطاعَتْ بَني أمّ النّسَيرِ، فأصْبَحَتْ ** عَلى قَتَبٍ يَعلو الفَلاةَ دَليلُها
فإنّ امْرَاً يَسْعَى يُخَبّبُ زَوْجَتي، ** كَساعٍ إلى أُسْدِ الثّرَى يَسْتَبيلُها
وَمِنْ دُونِ أبْوَالِ الأسُودِ بَسالَةٌ، ** وَصَوْلَةُ أيْدٍ يَمْنَعُ الضّيمَ طُولُها

 


بِأرْبَعَةٍ رُزِئْتُهُمُ، وَكَانُوا *** أحَبَّ المَيّتِينَ إلى ضَمِيرِي

يقول إنه رُزئ بموت أربعة من أولاده وكانوا الأحب إليه.


بَنيَّ أصَابَهُمْ قَدَرُ المَنَايَا، *** فهَلْ مِنهُنّ مِن أحَدٍ مُجيرِي

يقول إن الموت قتل أبناءه الأربعة وهل من يُنقذِه من الموت؟


دَعَاهُمْ للمَنِيّةِ، فَاسْتَجَابُوا *** مَدى الآجالِ من عَددِ الشّهُورِ

يقول إنهم دَعَوا للموت، فلبوا وماتوا عن العمر المقدّر لهم في الأيام.


وَلَوْ كانُوا بَني جَبَلٍ فَمَاتُوا، *** لأصْبَحَ وَهُوَ مُختشِعُ الصّخُورِ

يقول إنه لو كان جبلا لاستذلّ


وَلَوْ تَرْضَيْنَ مِمّا قَدْ لَقِينَا *** لأنْفُسِنَا بِقَاصِمَةِ الظّهُورِ

قاصمة الظهور : المصيبة الفادحة.


رَأيْتِ القَارِعَاتِ كَسْرَنَ مِنّا *** عِظَاماً، كَسْرُهُنّ إلى جُبُورِ

القارعات : المصائب.


فإنّ أبَاكِ كَانَ كَذاكَ يَدْعُو *** عَلَيْنَا في القَدِيمِ مِنَ الدّهورِ

أباك: امرأة شمتت به لموت أولاده وهو يقول لها إن أباك كان يشمت بنا ولحق به قدر الموت.


فَمَاتَ، وَلمْ يَزِدْهُ الله إلاّ *** هَوَاناً، وَهْوَ مُهْتَضَمُ النّصِيرِ

مهتضم النصير : فاقد المناصرين.


رُزِئْنَا غَالِباً وَأبَاهُ كَانَا *** سِمَاكَيْ كُلّ مُهْتَلِكٍ فَقِيرِ

غالب : والده. السِمَاكان : نجمان ميمونان من نجوم المطر. المهتَلِك : الهالك.
يقول إن والده وجدّه ماتا وكانا أروع من أنجد الفقراء وكأنهما كانا نجمي السماكيّن المُدرّين للمطر.


وَلَوْ كَانَ البُكَاءُ يَرُدّ شَيْئاً *** عَلى الباكي بكيتُ على صُقُورِي

صقوره : أبناؤه.


إذا حَنّتْ نَوَارُ تَهِيجُ مِنّي *** حَرَارَةَ مِثْلِ مُلْتَهِبِ السّعِيرِ

يقول إن زوجته تبكي لفقدهم فتلهب أحشاءه.
– أعرب حرارة، فإنه يجوز أكثر من وجه فيها.


حَنِينَ الوَالِهَينِ، إذا ذَكَرْنَا *** فُؤادَيْنَا، اللَّذَينِ مَعَ القُبُورِ

الوالهين : المفجّعين الثاكلين. وأصلها في الناقة التي فقدت وليدها.


إذا بَكَيَا حُوَرَاهُما اسَتحَثّتْ *** جَناجِنَ جِلّةِ الأجْوَافِ خُورِ

الحوار : ولد الناقة. الجناجن : عظم الصدر. جلة الأجواف : عظام العظام. الخور : الضعفاء.
يقول إنها تحنّ إلى وليدها وتدع أجوافقها تخفق وتتقفص.


بَكَينَ لشَجْوهنّ فَهِجْنَ بَركاً *** عَلى جَزَعٍ لِفَاقِدَةٍ ذَكُورِ


كَأنّ تَشَرُّبَ العَبَراتِ مِنْهَا *** هِرَاقَةُ شَنّتَيْنِ عَلى بَعِيرِ

يقول إنها تذرف الدمع بمثل انهمار الجرتين على البعير المستقي ماء.


كَلَيْلِ مُهَلْهِلٍ لَيْلي، إذا مَا *** تَمَنّى الطّولَ ذُو اللّيْلِ القَصِيرِ

يقول إن ليله طويل كليل المهلهل حين كان يبكي أخاه.

ومهلهل هو أبو ليلى، عدي بن ربيعة التغلبي، واشتهر سهره عند قبر أخيه وسكره وظل يتذكر أخاه ويرثيه رثاءً رقيقا صادقا أخذ فيه بثأر أخيه وقامت لأجله حرب الباسوس. وله الرائية التي يقول في مطلعها :

أَهَاجَ قَذَاءَ عَيْنِي الإِذِّكَارُ *** هُدُوّاً فَالدُّمُوعُ لَهَا انْحِدَارُ

إلى أن يقول :

خذِ العهدَ الأكيدَ عليَّ عمري *** بتركي كلَّ ما حوتِ الديارُ
وَهَجْرِي الْغَانِيَاتِ وَشُرْبَ كَأْسٍ *** وَلُبْسِي جُبَّة ً لاَتُسْتَعَارُ
وَ لستُ بخالعٍ درعي وَ سيفي *** إلى أنْ يخلعَ الليلَ النهارُ
وإلاَّ أَنْ تَبِيدَ سَرَاة ُ بَكْرٍ *** فَلاَ يَبْقَى لَهَا أَبَداً أَثَارُ

وقال في غيرها: کُلَيبُ لا خيرَ في الدنّيا ومَنْ فيها ** إنْ أنتَ خلّيتَها في مَنْ يُخَلّيها

وفي اختيار الليل معنى في توقّد الوجدان وحضور الخاطر وسكون النفس والتأمل والتذكّر. وفي أطرافه تقول الخنساء:
يذكرني طلوع الشمس صخراً ** وأذكره لكل غروب شمس


يَمَانِيَةٌ، كَأنّ شَآمِيَاتٍ *** رَجَحْنَ بجَانِبَيْهِ عَنِ الغُؤورِ

يمانية أي النجوم اليمانية. ووقع في نقل الحاوي شاميات وشرحها بالصاد، الشاصيات : الأمراس (الحبال). الغؤور : غياب النجم.
يقول إنه كأن أمراسًا أوثقت بالنجم فمنعته من الغياب ليطلع الصبح دونه.


كَأنّ اللّيْلَ يَحْبِسُهُ عَلَيْنَا *** ضِرَارٌ، أوْ يَكُرّ إلى نُذُورِ

يقول إنه كأنه تعطّلت أداة الليل فلا قبل له بالتزحزح أو كأنه نذر ألا يبارح السماء


كَأنّ نُجُومَهُ شَوْلٌ تَثَنّى *** لأدْهَمَ في مَبَارِكهَا عَقِيرِ

الشول : الإبل. تثني : تعطف وتنحي.
يقول إنه نجومه كأنها الإبل الباركة تجنب ولدها ولا تغادره لأنه معقور جريح.


وَكَيْفَ بِلَيْلَةٍ لا نَوْمَ فِيهَا، *** وَلا ضَوْءٍ لِصَاحِبِهَا مُنِيرِ

يقول كيف له أن يتحرر من الليل الذي لا يطلع له صباح منير.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s