الجمل بين التفاسير واللغة

جاء في منشور صوري (صحح معلوماتك) :

“هذا الحيوان ليس جمل كما تعتقد وليس في اللغة العربية حيوان اسمه جمل بل (بعير) وجمعه (إبل) أما الجمل المذكور في القرآن في قوله تعالى (حتى يلج الجمل في سم الخياط) فهو حسب لغة القبائل العربية القديمة هو حبل وتحديدا الحبل الغليظ الذي تربط به السفن …”


جمل

والكلام الوارد خطأ بل كتلة من الأغاليط عدا عن كونه يفتقد إلى أي منهجية علمية في الطرح. وهذا الكلام هو نص ما تفوّه به د. الكيالي أو ما فُهم من كلامه.

فأما الحيوان فاسمه جمل كما أن اسم أنثاه ناقة وله أسماء مختلفة أخرى، تعددت بتعدد لغات القبائل، وبتنوع صفات هذه الدابة وحالاتها. وهو ما تواترت به ألسنة العرب قديما وحديثا في أشعارهم وسنة نبيّهم وكتاب ربهم ومعاجمهم وسائر كتبهم ومآثرهم.

وكلمة جمل أصل في اللغات السامية منذ ألاف السنين بل قبل ظهور العربية الجاهلية، فهو اسمه في الآرامية والعبرية والفينيقية والأكادية واللغات السامية الجنوبية كالسبئية والأمهرية والتغرينية وغيرها ولازلت تشهد على ذلك نقوشهم وكتاباتهم (ولينظر في الجذر : gamal- in Proto-Semitic ) ومن الفينيقية دخلت على اللغات الأوروبية عن طريق الإغريقية لتعطيها حرف Gamma وتعطي بقية اللغات الأوروبية مسمى الجمل Camel*.

أما البعير فلا أراه اسم حيوان على الأصل وإنما هو كل ما صلح للركب والحمل كالحمار وهو مذكور معروف في العبرية والسريانية وفي الكتاب المقدس وهو أيضا معناه في قوله: (ولمن جاء به حِمْلُ بَعير). وقد نقل وروده عن العرب بمعنى الحمار الألوسي وابن بري في حادثة سيف الدولة وذكره أهل التفسير عن مجاهد وغيره. ذلك أن الجمال لم تشتهر في أرض كنعان ومصر إلا مؤخرا وكانوا يعتمدون على الحمير للحمل وهذا من دقة القرآن في السرد.

وأما قوله تعالى : (لا يدخلون الجنة حتى يلج الجَمَل في سم الخياط) وهي قراءة الجمهور فلا يجوز إلا أن يُحمل معناها على الحيوان، ولم يقل أحد من أهل التفسير أو أهل اللغة غير هذا.

قال ابن مسعود: هو الجمل ابن الناقة وفي رواية زوج الناقة وقال الحسن البصري : حتى يدخل البعير في خرم الإبرة وكذا قال أبو العالية والضحاك. ذلك أن البعير هو الجمل البازل تضرب به العرب المثل في عظم الجثة وهو من باب تعليق الأمر بالمستحيل كقولهم حتى يشيب الغراب أو قول أهل الجزيرة حتى تحج البقرة على قرونها. وأما قراءة ابن عباس رضي الله عنه فهي الجُمَّل بضمّ الجيم وتشديد الميم أو تخفيفها وهي ما يحمل حصرا على معنى الحبل. وهي حرف من الحروف السبعة التي يجوز بها قراءة القرآن.


ملاحظة :

في البحث العلمي للمعاني التاريخية، لا يستدل إلا بدليل ثابت أو نقل موثّق مضبوط أما بعض المعاجم الحديثة فقد يخل بعضها بالضبط وقد تورد أقوالا لا مستند لها فلا يؤخذ بها. خاصة إذا أراد فيها صاحبها أن ينتصر لرأي ارتآه.

وعليه فلا يُحتج بما جاء في معجم الوسيط وما شاكله.


محاولة تتبع وتحليل:

المعنى المحوري الذي تدور عليه مادة (ج م ل): عِظَم الجِرْم مع تمام وتجانس الحال، ومنه الجَملاء: التامة الجسم من كل حيوان، وجَمول المرأة السمينة، والجامل: الحي العظيم. والجم الشيء الهائل. والجملة الكمية الهائلة.

وقد قال الزمخشري ـ وهو من أعلم الناس بالكلام والبلاغة ـ بعد ذكر القراءة الشاذة التي هي الجَمْل بفتح فسكون والتي فُسرت بالحبل :” إلاّ أن قراءة العامّة (أي القراء العشرة) أوقع (أي أبلغ)؛ لأنّ سم الإبرة مثل في ضيق المسلك ، يقال : أضيق من خرت الإبرة . وقالوا للدليل الماهر : خِرِّيت ، للاهتداء به في المضايق المشبهة بأخرات الإبر . والجمل : مثل في عظم الجرم” .

وهنا ترتسم لنا مفاتيح دلالية مهمة أحال إليها القرآن:

  • بيئة أكثر العرب: فهم لا يرون البحر إلا نادرا وليس من مشهور حرفهم ملاحة السفن فتضرب لهم به المعاني الدقيقة. وأكثر أمثالهم تدور عما عاينوه، وعليه خطاب المعاينة في قوله: “وإلى الإبل كيف خلقت”.
  • ضرب الله مثلا بالشيء الكبير عندهم، يقول صاحب التحرير: “والجمل : البعير المعروف للعرب ، ضرب به المثل لأنه أشهر الأجسام في الضخامة في عرف العرب”. ومن أمثالهم:
    • (مَا استتر من قاد الْجمل) يضْرب لمن يَأْتِي أمرا لَا يُمكن إخفاؤه؛
    • جثة جمل؛
    • الباب يفوت/يوسع جمل. (عامي)
  • وبأصغر شيء، حتى قالوا:
    • “كأنه يتنفس من سم إبرة”.
    • أضيق من خرت الإبرة
    • ويرد اليوم في تعبيرات الأدباء إذا أرادوا ضرب المثل في ضيق الشيء قالوا “ضيّق كسم الإبرة”.

وقد حاولت استقراء أشهر التفاسير والمراجع المعجمية، مصنفا إياها في ثلاثة أقسام:

  • قسم ذكر الخلاف ومايز بين الضبط والمعنى: كالقرطبي والبيضاوي وابن عطية واللسان؛
  • قسم أهمل معنى الحبل كالبغوي والجلالين؛
  • قسم ساوى بين المعنيين ولم يذكر مزيد تفصيل، وهذا لم أجده إلا عند ثلة من المعاصرين مثل معجم الوسيط (ولعله خطأ في الضبط) أو من كلام الشعراوي، ذكره كجواب عمن قد يعترض على علاقة البعير بسم الخياط.

وإذا نظرنا في ورود المعنى في السنة وأشعار العرب.

ذكرنا ما جاء في حديث مسلم: “في أصحابي اثنا عشر منافقا فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة، سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم”.

وورود هذه العبارة في السنة دليل على أحد أمرين إما كونه قد كان مضربا للمثل أو صار من بعد القرآن.

وفي ذلك يقول الأخطل:

ولو أنّ مابي من جوى وصبابة *** على جَمَلٍ لم يبق في النار كافرُ

يقصد أن كثرة الأحمال التي عليه لو وضعت على ظهر جمل لسحقته وسهل دخوله في سم الإبرة. وهذا المعنى ذكره أ. د. صبري الدمرداش في محاضرة له تحت عنوان “متى يدخل الجمل في ثقب الإبرة”.

تحدث فيها عن الوحدة في الخلق والتشابه بين نظام دوران الإلكترونات حول الذرة ودوران الكواكب في النظام الشمسي ولتقس عليه المجرات، فمن خلق هذه خلق تلك. وما من شيء إلا في فلك يسبح، وكذلك الناس تطوف حول الكعبة، وقد لخّص التشابه الكائن في:

  • الفراغ
  • سرعة الدوران
  • اتجاه الدوران
  • شكل المدارات

ثم إنه ذكر أن لو توقفت إلكترونات ذرة عن الدوران لفقدت الفراغ الذري وانطبقت وأورد حساب أحد الرياضيين، فانطباق كتلة مماثلة يصيّرها كشعرة رقيقة، ملمترات من السمك بطول 8 سنتمتر مع احتفاظها بوزن الجسم الأولي. وهكذا كانت “المفردة الأولى” كتلة من الطاقة المضغوطة.

وهذا “مستحيل”، إلا ربما في سياق زوال الكون، على قول من يقول بفناء الجنة والنار أو أنهما جزء من الكون لقوله: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربكك فعال لما يريد). ففي زوال الكون وانكماشه مثلا استواؤهما باستواء الجنة والنار، فتعود بذلك ذرات الكافرين على ذرات الجنة.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s