أوتاد فرعون – تفسير سورة الفجر

ملخص

وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ(10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ(13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)

كنا تعرضنا في أول حصة من سورة الفجر (والتي توافقت مع أول العشر من ذي الحجة)، أن الأوتاد في قوله:(وفرعون ذي الأوتاد)، دلالة على كثرة جنوده أو ما كان يوتده ليعذب به الناس وهذا يوافق كونها وسيلة طغيانهم في البلاد والإفساد فيها لقوله بعدها (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ).

وقد جاء في تفسير الطبري وابن كثير وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأوتاد : الجنود الذين كانوا يشدون أمره، وعلى ذلك فالمقصود بالأوتاد أركان ملكه، وقال بعضهم : كان يربط الرجل في كل قائمة من قوائمه في وتد ثم يرسل عليه صخرة عظيمة فيشرخه بها.

تتلخص عندنا إذن ثلاثة دلالات:

  1. فكونها جنوده فهي كالوتد الذي يقيم به صلبه ويعتمد عليه. أو أن جنوده إذا ساروا في الأرض أوتدت خيامهم حتى تملأ الأرض. وقد يقال أن جنوده إذا اصطفوا أمامه كانوا كالأوتاد. وصحيح أن فرعون قد تميز بجنوده وبطانة ملكه، وقد ترافق ذكرهم في الكتاب والسنة بل وعند اليهود.
  2. أنها أركان ملكه
  3. والقول بأوتاد التعذيب محتمل أيضا خاصة إذا علمنا أنه قد سام بني إسرائيل سوء العذاب وقتّلهم فلابد أنه تفنن في تعذيبهم. والوتد المسمار تدق به أطرافهم والوتد أيضا العمود قد يصلب عليه.

وهنا سؤال تبادر إلى ذهني :

هل يجوز حمل أوتاد فرعون على المعمار ؟

  • َفقد وصفت إرم بتميزها في البلاد على القول أن المراد قريتهم ( إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ) وثمود بعمرانها ( وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) .. وكلها دلالة للنفوذ وبسط السلطان .. بل ووسيلة للطغيان (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) .. فلعل أوتاد فرعون شيء مماثل.
  • وقد ذكر فرعون بالعمران من قبل في قوله : (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ).

ولبحث هذا السؤال، أقترح التالي :

  1. دلالة لفظ الوتد وفرعون
    • وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (النبأ / مكية)
    • جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ  * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ ۚ أُولَٰئِكَ الْأَحْزَابُ(سورة ص 11-13 وهي مكية)
  2. نحتاج إلى الإطلاع إلى الهندسة السائدة فترة موسى أي القرن الثالث عشر قبل الميلاد وما جاوره.
  3. ماذا قد تكون هذه الأوتاد بمعرفتنا للمصريين؟
  4. من هو فرعون موسى (the Pharaoh of the Exodus) وبماذا اشتهر ؟ وما هو عمران زمانه ؟
  5. هل عند أهل الكتاب شيء عن هذه الأوتاد؟ وهل حمل أحد الفراعنة لقب مماثل؟

ومعابد المصريين القديمة معروفة بأعمدتها الضخمة (وأركيولوجيًا هي معروفة حتى قبل 2700 سنة ق.م.) وهناك أيضا الأوبليكس هذه الأعمدة المسننة الضخمة والعالية واللتي قد يزيد طولها على 40 متر وهي كذلك قديمة الوجود. وكانت تنصب في الساحات وعند مداخل المعابد ينصب زوجان منها وتدوّن فيها أمجاد ملوكها وقد كانت تنحت في الصخر وتنقل وهذا ما كان يحتاج إلى عبقرية في الهندسة والبناء لرفعها وتثبيتها، وأكثر هذه المسلات سُرق من مصر وهي مشتتة اليوم في بلدان الغرب خاصة.

وهنا سؤال آخر قد نطرحه هل يجوز أن يكون فرعون ذو الأوتاد غير فرعون موسى ؟

 


 

القول بأنها ما جاء عند المعاصرين : [1]

جاء في أيسر التفاسير لأسعد حومد:

وقيل إن معنى – ذو الأوتاد – هو أنه صاحب الأهرامات والأبنية الفخمة المترسخة في الأرض كالأوتاد.وقيل أيضا إن معناها هو أن فرعون سمي بذي الأوتاد لأنه كان إذا أراد قتل خصومه فإنه كان يضرب لهم في الأرض أوتادا يشد إليها أطرافهم، ثم يقتلهم بالنبال.

و في أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للشيخ الجزائري:

جائز أن يكون المراد بالأوتاد القوة والبطش أو الأهرام لأنها بناء راسخ في الأرض كالأوتاد جمع وتد بكسر التاء وهو عود غليظ له رأس مفلطح يدق في الأرض ليشد به ظنب الخيمة أو حبالها. اهـ

وقال صاحب الظلال :

{ وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد } وهى على الأرجح الأهرامات  التى تشبه الأوتاد الثابتة فى الأرض المتينة البنيان ، وفرعون المشار إليه هنا ، فرعون موسى الطاغية الجبار.

جاء عند صاحب التحرير والتنوير :

ووصف فرعون بأنه ب ” ذو الأوتاد ” لعظمة ملكه وقوته فلم يكن ذلك ليحول بينه وبين عذاب الله . وأصل الأوتاد أنه : جمع وتد بكسر التاء : عود غليظ له رأس مفلطح يدق في الأرض ليشد به الطنب ، وهو الحبل العظيم الذي تشد به شقة البيت والخيمة فيشد إلى الوتد وترفع الشقة على عماد البيت ، قال الأفوه الأودي :

والبيـتُ لا يُبْتَنَـى إلا لـهُ عَمَـدٌ ..  ولا عِمـادَ إذا لـمْ تُـرْسَ أَوْتـادُ

و ” الأوتاد ” في الآية مستعار لثبات الملك والعز ، كما قال الأسود بن يعفر :

ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة  ..  في ظل ملك ثابت الأوتاد

وقيل : الأوتاد : البناءات الشاهقة . وهو عن ابن عباس والضحاك ، سميت الأبنية أوتادا لرسوخ أسسها في الأرض .

وهذا القول هو الذي يتأيد بمطابقة التاريخ فإن فرعون المعني في هذه الآية هو ( منفتاح الثاني ) الذي خرج بنو إسرائيل من مصر في زمنه ، وهو من ملوك العائلة التاسعة عشرة في ترتيب الأسر التي تداولت ملك مصر ، وكانت هذه العائلة مشتهرة بوفرة المباني التي بناها ملوكها من معابد ومقابر ، وكانت مدة حكمهم مائة وأربعا وسبعين سنة من سنة 1462 قبل المسيح إلى سنة 1288 ق . م .

وقال الأستاذ محمد عبده في تفسيره للجزء الثلاثين من القرآن في سورة الفجر : ” وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد ، فإنها هي الأهرام ومنظرها في عين الرائي منظر الوتد الضخم المغروز في الأرض ” اهـ . وأكثر الأهرام بنيت قبل زمن فرعون موسى منفتاح الثاني ، فكان منفتاحهذا مالك تلك الأهرام فإنه يفتخر بعظمتها ، وليس يفيد قوله ذو الأوتاد أكثر من هذا المعنى إذ لا يلزم أن يكون هو الباني تلك الأهرام . وذلك كما يقال : ذو النيل ، وقال تعالى حكاية عنه وهذه الأنهار تجري من تحتي .

 

والقول بأنها الأهرام عندي بعيد لاختلاف الشكل واختلاف مفهوم الوتد فالأهرام بنايات هرمية الشكل واسعة القاعدة لا جذر لها. ولا يمكن جعلها أوتادا إلا بتحقق وجه شبه ما. وهذا ما حاول بعض الباحثين التوصل إليه بربط وصف الله الجبال بالأوتاد وشبهها بهرمية البناءات. بل وحاول البعض زاعما أن الأهرمات بنيت لتثبيت الأرض من الزلازل. وقد قدمت مجلة الشرق الأوسط بحثا بهذا المفهوم ثم تراجعت عنه بنشر ما يدحضه من مختصي الجيولوجيا والأثار وهذا نصه :

نفى الدكتور سعيد مغاوري المشرف على قسم البرديات في المجلس الأعلى للآثار في مصر أن تكون الأوتاد التي ذكرها القرآن الكريم مقصوداً بها «أهرامات مصر» في اشارة الى الآية القرآنية الكريمة «وفرعون ذي الأوتاد».
وقال الدكتور مغاوري لـ«الشرق الأوسط» ان الأوتاد المقصود بها هنا حسبما ورد في الآية القرآنية هي المسلات التي نحت عليها ملوك الفراعنة أسماءهم وأعمالهم وتاريخهم. أما الأهرامات فهي نمط من أنماط مقابر الدفن التي تختلف من عصر الى عصر. واضاف مغاوري أن الآية السابقة تتحدث عن فرعون الظالم الذي كان معاصراً لموسى عليه السلام، وفي هذا العصر لم تكن الأهرامات قد تم بناؤها وبالتالي لا يفسر لفظ الأوتاد الوارد في الآية على أنه هو الأهرامات لأن هذا لا يتفق مع الترتيب التاريخي للأحداث.

وقال الدكتور زغلول النجار استاذ الجيولوجيا ومدير معهد ماركيفلد للدراسات في بريطانيا ان البحث حول الحكمة من بناء الأهرامات سيضيف أبعاداً ورؤية هندسية لما كانت عليه حضارة الفراعنة، مؤكداً أن السبب وراء بناء الأهرامات ليس من أجل تثبيت الأرض مخافة من الزلازل وانما هي مقابر بناها الفراعنة لدفن الملوك العظام، لافتاً الى أن اللغة المصرية القديمة لم تشر الى وصف الأهرامات بالجبال التي خلقها الله لتثبت الأرض.

وأضاف الدكتور النجار أن الثابت علمياً أن مصر لم تقع في حزام زلازل منذ آلاف السنين وحتى في عهد الفراعنة.

وقال الدكتور عبد العظيم المطعني استاذ التفسير في جامعة الأزهر إنه ليس صحيحاً أن أهرامات مصر التي بناها الفراعنة هي جبال لمنع الزلازل لأن الفراعنة أخذوا من ثقل الأرض وردوه اليها، أي انها عبارة عن حجارة جلبوها من أماكن قريبة من مكان بنائها لبناء مقابر لهم وهم لا يعلمون مواطن الزلازل، والله تعالى يتحدث في القرآن عن الجبالا التي خلقها ولم يصنعها الانسان لقوله تعالى «وألقينا في الأرض رواسي» أي جبال موزعة توزيعاً حكيماً على سطح الأرض لتثبيتها. أما أهرامات الفراعنة فمأخوذة من الأرض.

وأوضح الدكتور المطعني أنه حسبما ذكرته المصادر لتاريخية، فمعلوم أن الفراعنة أقاموا أهراماتهم كنوع من الترف الفني، مما يشهد للفراعنة بالابداع والاتقان ويدل على درايتهم بالعلوم والمعارف المتقدمة الرفيعة المستوى.

يذكر أن «الشرق الأوسط» نشرت في الأسبوع الماضي دراسة تربط بين أهرامات مصر وأوتاد فرعون التي ذكرها القرآن الكريم. وزعمت الدراسة أن بناء الأهرامات كان لإحداث توازن في الأرض بعد تعرضها لزلازل عنيفة خلال العصر القديم.

علماء آثار وجيولوجيا ودين: تماثل أوتاد فرعون قرآنياً مغالطة تاريخية


تساؤل آخر في الحكمة من اختيار هذه الأمم الثلاث

أما ربط ذكر عاد وثمود وفرعون من حيث أنهم أمم متتابعة النسل حيث أن ثمود وعاد من إرم. ويذكر أيضا أن الفراعنة هم نسل العماليق وقد حكموا مصر، فهذا وإن كنت لا أملك عليه دليلا صريحا ولا أثق بكل التراث العربي (فهي عندي أشبه بما يُتدوال في الثقافة الشعبية اليمنية من أن فرعون كان رجلا من اليمن اسمه عون أجرم فطلبه قومه ففرّ إلى مصر فسُمي فر عون). فإنه قد صح حكم مصر من طرف عائلات شتى وسلالات مختلفة من المشرق والمغرب. لكننا متأكدون أنهم قد سمعوا بهذه الأمم لأن الله يقول عن مؤمن آل فرعون : (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ).

وبهذا نعلم أن نبي الله صالح وقومه ثمود ونبي الله هود وقومه عاد عاشوا قبل موسى بأحقاب أي ما قبل القرن 14 ق.م. بدهر. وأقدم ذكر معروف لثمود هو في نصوص الأشوريين ويعود إلى القرن 8 ق.م (715+/- BC) يذكر فيه إخضاع الأشوريين في ظل حكم الملك سرجون الثاني للثموديين، فلعلهم بقايا ثمود الأولى أو قوم ورثوا بلادهم واسمهم. وقد وصل الناس ذكرهم إلى زمن النبي. وهذا يظهر قوة النقل الشفوي في بناء المعرفة البشرية عبر التاريخ.

 

تتمة الآية تظهر كيف أن الله أنعم على هته العينات الثلاث ولكنها جعلت من نعمها وسيلة طغيان :

فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16).

 


هذا وأدعوكم  لإثراء الطرح وإغناء الموضوع


والله أعلى وأعلم.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s