عصر اليوم الرابع : الإجماع وإثم تأخير قضاء رمضان

في نقاش اليوم مع الأخ طارق، تطرقنا إلى قضية الإجماع حجيّةً وثبوتًا، ومما أذكر من حديثه أن :

  • الإجماع الذي أورده السلف هو نفي المخالف من خلال تقصي أقوال أهل العلم في الحكم. ولا يمكن أن يكون شموليا مطلقا. وهذا إن دلّ دل على قوة المسألة المجمع عليها. وعدم جواز خلافها.
  • الخلاف في الإجماع السكوتي : فإنه لا ينسب لساكت قول
  • مسألة إحداث القول الثالث

 


وذكر على ذلك مثالا وهو أن أهل العلم أجمعوا على أن من لم يقض رمضان من غير عذر فهو آثم. لكنه لا دليل صريح في المسألة والله يقول فعدة من أيام أخر. من غير تضيّق.

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 185 )

إلا ما جاء عن عائشة رضي الله عنها عند البخاري في أنها كانت تقضيها في شعبان (كان يكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان). واعتمد الجمهور في مسألة الإطعام إذا لم يقض حتى دخل رمضان ما جاء عن ابن عباس وأبي هريرة مرسلا في فتواهما بالإطعام، ولخص ذلك ابن حجر في شرحه على البخاري:

قوله : ( ويذكر عن أبي هريرة مرسلا ، وعن ابن عباس أنه يطعم ) أما أثر أبي هريرة فوجدته عنه من طرق موصولا ، فأخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عطاء عن أبي هريرة قال : أي إنسان مرض في رمضان ثم صح فلم يقضه حتى أدركه رمضان آخر فليصم الذي حدث ثم يقض الآخر ويطعم مع كل يوم مسكينا . قلت لعطاء : كم بلغك يطعم؟ قال : مدا زعموا ” وأخرجه عبد الرزاق أيضا عن معمر عن أبي إسحاق ، عن مجاهد عن أبي هريرة نحوه ، وقال فيه : ” وأطعم عن كل يوم نصف صاع من قمح ” وأخرجه الدارقطني من طريق مطرف عن أبي إسحاق نحوه ، ومن طريق رقبة وهو ابن مصقلة قال : ” زعم عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول في المريض يمرض ولا يصوم رمضان ، ثم يترك حتى يدركه رمضان آخر قال : يصوم الذي حضره ثم يصوم الآخر ، ويطعم لكل يوم مسكينا ” ومن طريق ابن جريج وقيس بن سعد عن عطاء نحوه .

شرح البخاري

 


خلافا لمذهب أبي حنيفة وأصحابه وهو قول البخاري في صحيحه :

باب متى يقضى قضاء رمضان وقال ابن عباس لا بأس أن يفرق لقول الله تعالى فعدة من أيام أخر وقال سعيد بن المسيب في صوم العشر لا يصلح حتى يبدأ برمضان وقال إبراهيم إذا فرط حتى جاء رمضان آخر يصومهما ولم ير عليه طعاما ويذكر عن أبي هريرة مرسلا وابن عباس أنه يطعم ولم يذكر الله الإطعام إنما قال فعدة من أيام أخر

وقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وهو يقرر عدم وجوب الإطعام :

وأما أقوال الصحابة فإن في حجتها نظراً إذا خالفت ظاهر القرآن ، وهنا إيجاب الإطعام مخالف لظاهر القرآن ، لأن الله تعالى لم يوجب إلا عدة من أيام أخر ، ولم يوجب أكثر من ذلك ، وعليه فلا نلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به إلا بدليل تبرأ به الذمة ، على أن ما روي عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم يمكن أن يحمل على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب ، فالصحيح في هذه المسألة أنه لا يلزمه أكثر من الصيام إلا أنه يأثم بالتأخير.

الشرح الممتع (6/451) .


وفي الباب خلاف ابن عباس وابي هريرة في وجوب قضائها متتابعة أو متفرقة.


ابن حزم في المحلى :

767 – مسألة : ومن كانت عليه أيام من رمضان فأخر قضاءها عمدا ، أو لعذر ، أو لنسيان حتى جاء رمضان آخر فإنه يصوم رمضان الذي ورد عليه كما أمره الله تعالى فإذا أفطر في أول شوال قضى الأيام التي كانت عليه ولا مزيد ، ولا إطعام عليه في ذلك ؛ وكذلك لو أخرها عدة سنين ولا فرق إلا أنه قد أساء في تأخيرها عمدا سواء أخرها إلى رمضان أو مقدار ما كان يمكنه قضاؤها من الأيام لقول الله تعالى : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } فالمسارعة إلى الله المفترضة واجبة . وقال الله تعالى : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المتعمد للقيء ، والحائض ، والنفساء : بالقضاء ؛ ولم يحد الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك وقتا بعينه ، فالقضاء واجب عليهم أبدا حتى يؤدى أبدا ، ولم يأت نص قرآن ولا سنة بإيجاب إطعام في ذلك فلا يجوز إلزام ذلك أحدا لأنه شرع والشرع لا يوجبه في الدين إلا الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فقط . وهذا قول أبي حنيفة ، وأبي سليمان . وقال مالك : يطعم مع القضاء عن كل يوم من الرمضان الآتي مدا مدا عددها مساكين إن تعمد ترك – القضاء ؛ فإن كان تمادى مرضه قضى ولا إطعام عليه – وهو قول الشافعي . قال أبو محمد : وروينا في ذلك عن السلف رضي الله عنهم أقوالا – : فروينا عن ابن عباس ، وأبي هريرة مثل قول مالك ، والشافعي . ورويناه أيضا عن عمر ، وابن عمر من طريق منقطعة ، وبه يقول الحسن ، وعطاء . وروينا عن ابن عمر من طريق صحيحة أنه يصوم رمضان الآخر ولا يقضي الأول بصيام ، لكن يطعم عنه مكان كل يوم مسكينا مدا مدا . وبه يقول أبو قتادة ، وعكرمة . وروينا عنه أيضا : يهدي مكان كل رمضان فرط في قضائه بدنة مقلدة . وروينا من طريق ابن مسعود يصوم هذا ويقضي الأول ولم يذكر طعاما – وهو قول إبراهيم النخعي ، والحسن ، وطاوس ، وحماد بن أبي سليمان ؟ قال علي : عهدنا بهم يقولون فيما وافقهم من قول الصاحب : مثل هذا لا يقال بالرأي ؛ فهلا قالوه في قول ابن عمر في البدنتين ؟

768 – مسألة : والمتابعة في قضاء رمضان واجبة لقول الله تعالى : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } فإن لم يفعل فيقضيها متفرقة وتجزئه لقول الله تعالى : { فعدة من أيام أخر } ولم يحد تعالى في ذلك وقتا يبطل القضاء بخروجه . وهو قول أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأبي سليمان – نعني أنهم اتفقوا على جواز قضائها متفرقة . واحتج من قال : بأنها لا تجزئ إلا متتابعة بأن في مصحف أبي ” فعدة من أيام أخر متتابعات ” . قال علي : روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال عروة : قالت عائشة أم المؤمنين : نزلت { فعدة من أيام أخر } متتابعات ” فسقطت ” متتابعات ” . قال أبو محمد : سقوطها مسقط لحكمها ، لأنه لا يسقط القرآن بعد نزوله إلا بإسقاط الله تعالى إياه قال الله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } وقال تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } وقال تعالى : { سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله } فإن قيل : قد يسقط لفظ الآية ويبقى حكمها كما كان في آية الرجم . قلنا : لولا إخبار النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء حكم الرجم لما جاز العمل به بعد إسقاط الآية النازلة به لأن ما رفع الله تعالى فلا يجوز لنا إبقاء لفظه ولا حكمه إلا بنص آخر.

 


 

عودة إلى الموضوع، على ماذا اعتمد إجماع أهل العلم في إيجاب الإثم على المؤخر ، وصلنا إلى :

  1. الأمر يفيد الإطلاق فأفاد ذلك الوجوب
  2. حديث عائشة، أنها كانت تؤخره إلى شعبان. وهذا ليس صريحا وقد يستفاد من التورع والأولى.
  3. ما جاء عن الصحابة ونقل الطحاوي أن الإطعام ورد عن ستة من الصحابة ولا يعلم لهم مخالف. والإطعام وتحديد كيفه ليس مما يدرك بالرأي. ويروى في الباب عن ابن عمر أيضا أنه أسقط الصيام وأوجب الإطعام إذا تراكم رمضانان فيقضى عن الثاني فقط ويطعم عن الأول. وترتيب إطعام هو دليل على كونه كفارة إثم.

 

 

نتابع لاحقًَا بإذن المولى …

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s