أصل كلمة إبليس وشيطان ورجيم

أصل كلمة إبليس

إبليس على وزن إفعيل ويُجمع على أَبالِسَة وأباليسُ، وانقسم فيه أهل اللغة على قوليّن قديما وحديثاً:

  1. اﻷول أنه ذو أصل عربي واستندوا في ذلك على وجود مادة بلس في كلام العرب وتوافقها مع ما جاء في الأخبار كما في حديث عمر مع الكاهن في البخاري حين قال : أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ وَإِبْلَاسَهَا وَيَأْسَهَا مِنْ بَعْدِ إِنْكَاسِهَا (يقصد حيرتها)
  2. القول الثاني أنها لفظة أعجمية :
    • واستند فيها المتأخرون في ذلك على توافق المسّمى مع ما جاء في الإغريقية Diabolos ومثل ذلك قولُهم في الإنجيل لصيرورته إلى العلمية عند النصارى وهي من الاغريقية evangelion
    • واستدلوا أيضا بأن الكلمة في حدّ ذاتها ممنوعة من الصرف على غير عادة ما كان من هذا الوزن فتقول في إكليلٍ ومن إقليمٍ (climate) وأنّه لو سمّيت رجلاً بإخريط أو إجفيل لما امتنع من الصرف حتى لو صيرته علماً
    • لكنك تقول في إبليسَ وعلى إبليسَ ومن إبليسَ فتمنعه من الصرف ومثله إدريس لمن قال أنه أعجمي

وردّ القائلون بعربيته : أنه منع من الصرف للعلمية وشَبَهِ العُجْمَة؛ لأن العرب لم تسم به أصلا واسثقلته، فكأنه من غير لغتها.

وأوردوا أن بلس عرفها العرب بمعانٍ من بينها :

  • الطرد فيكون إبليس المطرود من رحمة الله (والمبعد عن الخير)
  • معنى اليَئس، فيكون إبليس هو الذي يئس وقنط من رحمة الله
  • وهنا معنى آخر يترافق مع معنى اليأس والثبوط والندم وهو الإبلاس حالة من الحيرة والذهول والضياع وانقطاع الرجاء؛ والتبكم* وانقطاع الحجّة كما جاء في قوله تعالى : { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ } – وقوله : { لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ }.

​​

أما أصحاب القول الثاني فجعلوها من ديابولوس والكتاب المقدّس كتب بالإغريقية ومنها أخذت اللغات اللاتينية كالفرنسية diable وأخذت الإنجليزية Devil.

وأصل معناها الإغريقي هو النمّام أو المفتري وهي مركبة (فالإغريقية من اللغات الإلصاقية) من ديا διά dia وتعني من خلال وبَلّو βάλλω bállô تعني يقذف، فهو الذي يينمم بين الناس ويقذف من خلالهم. ومعنى القذف ورمي التهم يربطنا بمعنى شيطان.

أقول: والقول أنه من الإغريقية هو مجرد افتراض اللسانيين المعاصرين، ومن الممكن أنه من لغة أخرى اشتهر به المسمى أو أنه حتى من لغة قديمة قبل خلق آدم، فالله ناداه إبليس في القرآن “قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ”.


أصل كلمة شيطان

أما كلمة شيطان لا خلاف مشهور فيها يذكر، في أن أصلها سامي وهي معروفة في أكثر من لغة سامية. وسنكتفي بذكر اثنتين هما العربية والعبرية:

  1. فالعبرية سطان שָׂטָן تحمل معنى الخصم والند
    • واستعارت منها اللغات الأخرى هذا، مثل الإغريقية ومنه انتشرت الكلمة في اللغات الأوروبية كالفرنسية Satan, والانجليزية satan.
  2. وكذلك العربية، فكل عات متمرد عند العرب شيطان، سواء كان من الإنس أو الجن أو كان من الحيوان والدواب
    • فقد رُوي عن أبي عبيد أن الشيطان كل عات متمرد من إنس أو جن
    • وهذا الذي يذكره الخليل بن أحمد حين يقول : كل متمرد عند العرب شيطان
    • ويدل لذلك قوله : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ).
    • وكذلك الحيوان قد يوصف بشيطان إذا كان في صفته التمرّد والخبث والأذى ما يميّزه عن بني جنسه.

واختلف أهل العربية في اشتقاق شيطان :

  • فذكر جماعة أن النون زائدة وأنه على وزن فعلان وأنه من شاط يشيط إذا احترق؛ فهو اشتاط كِبْراً و اشتاط غضبا
    وهذا معروف في عاميّتنا فنقول شيّط وشوّط الشعر أو شوى واحترق ونقول وارئحة الشياط ونسمي الملهوف شايط، إلى غير ذلك …
  • وذكر آخرون أن النون أصلية وأنه على وزن فَيْعال من شطن وهو البعد فهو مبعد مطرود من الرحمة ملعون وبعيد عن الخير نازح عن أمر ربه وخصيم لأهل الإيمان. وهو المختار عند أهل التحقيق وهو اختيار ابن تيمية في منهاج السنة النبوية وله ولأهل اللغة والتفسير في ذلك تفصيل.
    ووزن فيعال نظير لفعلان وهو من صفات المبالغة كقولهم ديّار وطيّار وقيّام مثلما جاء في كما في قراءة الحي القيّام.
    والبعد والإبعاد والطرد مرتبط أيضا بصفته الرجيم.

أصل كلمة رَجيم

وأما صفة رجيم فعلى وزن فعيل :

  • فتأتي بمعنى مفعول . كخضيب ، أي : مخضوب . ولعين ، أي : ملعون . وقتيل وجريح أي مقتول ومجروح. فهو رجيم أي مرجوم والرجم اللعن وهو الطرد والإبعاد من الخير، وهو مرجوم أيضاً بالشهب مطرود من السماء، ترميه الملائكة ويرجمه الناس.
  • ويأتي وزن فعيل كذلك بمعنى فاعل مثل رحيم أي راحم فالشيطان رجيم يحتمل كونه راجما أي متكبرٍ مزدرٍ لغيره يرجم الناس بالغواية والهوى ويقذف في قلوبهم الشك والشهوات. وهذا مرتبط بمعنى ابليس كما كنا ذكرنا.

مصادر في تجميع بعض الأقوال بخصوص إبليس

الخلاف في أصل لفظة إبليس مشهور جدا في الكتب التي حررت النزاع سواء أكانت معاجما أو شروحا أو كتب تفسير أو كتب لغة.

يقول ابن حجر في فتح الباري شرحا على كتاب بدء الخلق:

قوله: (باب صفة إبليس وجنوده) إبليس اسم أعجمي عند الأكثر، وقيل: مشتق من أبلس إذا أيأس، قال ابن الأنباري: لو كان عربيا لصرف كإكليل، وقال الطبري: إنما لم يصرف وإن كان عربيا لقلة نظيره في كلام العرب فشبهوه بالعجمي، وتعقب بأن ذلك ليس من موانع الصرف وبأن له نظائر كإخريط وإصليت، واستبعد كونه مشتقا أيضا بأنه لو كان كذلك لكان إنما سمي إبليس بعد يأسه من رحمة الله بطرده ولعنه، وظاهر القرآن أنه كان يسمى بذلك قبل ذلك، كذا قيل، ولا دلالة فيه، لجواز أن يسمى بذلك باعتبار ما سيقع له.” اهـ

وهو قول أبي إسحاق النحوي الزجاج كما نقل ذلك ابن منظور في اللسان وعلّق الزبيدي على من نقل عربيّته: (قلتُ: ولذا قيل: إنّه لا يَصِحُّ أن يُشتَقَّ إبْليسُ وإنْ وافَقَ معنى أَبْلَس لَفْظَاً ومعنىً وقد تَبِعَ المُصَنِّف الجَوْهَرِيّ في اشتِقاقِه فغَلَّطوه فليُتَنَبَّه لذلك.) اهـ

ويذكر ذلك الفيومي في المصباح المنير: وَإِبْلِيسُ أَعْجَمِيًّ وَلِهَذَا لَا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَقِيلَ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنْ الْإِبْلَاسِ وَهُوَ الْيَأْسُ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَرَبِيًّا لَانْصَرَفَ كَمَا يَنْصَرِفُ نَظَائِرُهُ نَحْوَ إجْفِيلٍ وَإِخْرِيطٍ. اهـ

أما من برر منعه من الصرف لانقطاع النظير وشبه العجمة فمثل ما ذكر الطبري رحمه الله في تفسير قوله (فسجدوا إلا إبليس) وذكر مثالا عن إسحاق فهو وإن كان عربي المادة فإن العجم كانوا أسبق للتسمي به وكذا اسم أيّوب.

ويذكر ابن جني – رائد الاشتقاق – في المصنف ص. 142:

فأما قول من يقول: إن “إبليس” من قول الله تعالى: {يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ} ومن قول الراجز:
يا صاحِ هل تعرف رسما مكرسا ** قال نعم أعرفه وأبلسا
فخطأ منه. لو كان “إبليس” من هذا لكان عربيا؛ لأنه مشتق، ولوجب صرفه؛ لأنك لو سميت رجلا بـ”إِجْفِيل، وإخريط” لصرفته؛ لأنه لا مانع له من الصرف. وكذلك أيضا لا يجوز أن يكون “إدريس” من درست القرآن, ولا من درس من المنزل, ونحوهما. ولا يكون” يعقوب” من العقبى، ولا من العقاب, ونحوهما؛ لأنه لو كان كذلك كان مشتقا عربيا, ولوجب صرفه كما تصرف “يربوعا، ويعسوبا” اسمي رجل. وإنما هذه ألفاظ أعجمية وافقت ألفاظ العرب؛ ألا ترى إلى قول النابغة:
نُبِّئت أن أبا قابوس أوعدني ** ولا قرار على زأر من الأسد
فلو كان هذا من قبستُ النار لانصرف؛ لأنه كان يكون بمنزلة “جارود” من الجرد، و”عاقول” من العقل.
وإذا كان الأمر كذلك فليس لأحد أن يقول: إن “إبراهيم، وإسماعيل” لهما مثال من الفعل، كما لا يمكنه ذلك في “إِنّ، وثُمَّ، وقد، وسوف” وما أشبه ذلك. اهـ

وهو ما يخلصه عباس حسن في النحو الوافي في مسائل ما لا ينصرف: وأما “إبليس” فممنوع من الصرف للعلمية والعجمة؛ على اعتباره أعجمي الأصلي، وأما على اعتباره عربي الأصلي مشتق من الإبلاس؛ وهو الإبعاد، فممنوع من الصرف أيضا، ولكن للعلمية وشبه العجمة؛ لأن العرب لم تسم به أصلا؛ فكأنه من غير لغتها، بالرغم من أن صيغته لها نظائر أصيلة في العربية؛ مثل: إكليل، إقليم … اهـ

إلى غير ذلك من الأمثلة وكتب المعاصرين في أعجمي القرآن كثيرة جدا وقد حرروا القول ورجّح كلٌ ما ارتآه. حاولت تلخيص أقوال أهل الاختصاص في الباب، وبعض الذي دفعهم للقول بذلك. والله أعلى وأعلم

مقالات مماثلة:


بهذا نكون قد أنهينا لمحاتنا التأثيلية لليوم
والله أعلى وأعلم

 


مطالعة رابط العرض

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s