حكم مسح الرأس والأذنين بفضل ماء اليدين – فقه الوضوء

والحمدلله وحده والصلاة والسلام على رسول الله. فهذا تجميع مختصر لتقريرات أهل العلم حول حكم تجديد ماء اليدين لمسح الرأس والأذنين.

الثابت في السنة هو حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه في وَصْف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه : “ومَسَح برأسه بِماء غيرِ فَضْل يده” رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم.

 قال الإمام الترمذي: قد رُوي من غير وَجْه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد وغيره أن النبي صلى الله عليه و سلم أخَذ لِرَأسه ماء جديدًا . والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم ؛ رأوا أن يأخذ لِرَأسِه ماء جديدًا.

وقال ابن عبد البر : واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة على أن الرأس لا يجزئ مَسحه إلاَّ بِماء جديد يأخذه له المتوضّئ ، كما يأخذه لسائر الأعضاء.


غير أن من أهل العلم من يعدّ عدم تجديد الماء من السنن المهجورة وذلك بقبولهم لحديث آخر جاء في سنن أبي داوود في باب صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب الطهارة.

[130] حدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود عن سفيان بن سعيد عن ابن عقيل عن الربيع أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه من فضل ماء كان في يده

قال الألباني في صحيح سنن أبي داود حسن. وكان عقّب عليه في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها.


ومدار بحث الحديث هو ابن عقيل، وهذا نص ترجمته في سير أعلام النبلاء،  ص 205:

ابن عقيل ( بخ ، د ، ت ، ق )

الإمام المحدث أبو محمد عبد الله بن محمد بن عقيل ابن عم النبي -صلى الله عليه وسلم- أبي طالب ، الهاشمي ، الطالبي المدني ، وأمه هي زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب.

حدث عن ابن عمر ، وجابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، وعبد الله بن جعفر ، وخاله محمد ابن الحنفية ، وعلي بن الحسين ، والربيع بنت معوذ الصحابية ، وسعيد بن المسيب ، وطائفة.

وعنه : الثوري ، وزائدة ، وفليح ، وحماد بن سلمة ، وبشر بن المفضل ، وسفيان بن عيينة ، وزهير بن معاوية ، وزهير بن محمد ، وعدة . احتج به الإمام أحمد وغيره ، وقال أبو حاتم : لين الحديث ، وقال ابن خزيمة : لا أحتج به لسوء حفظه . وقال الترمذي : سمعت محمدا يقول : كان أحمد ،وإسحاق ، والحميدي يحتجون بحديثه ، وعن البخاري : هو مقارب الحديث ، وقال ابن معين : ضعيف ، وقال ابن المديني : لم يدخله مالك في كتبه ، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه . وقال آخر : كان من العلماء العباد . وقال الفسوي : صدوق في حديثه ضعف.

قلت : لا يرتقي خبره إلى درجة الصحة والاحتجاج . قال خليفة ، وابن سعد : مات ابن عقيل بعد الأربعين ومائة . رحمه الله.


وقد علّق محمد شمس الحق العظيم آبادي في عون المعبود في شرحه سنن أبي داود بما يلي: ص: 174 ]

( من فضل ماء كان في يده ) : ولفظ الدارقطني في سننه توضأ ومسح رأسه ببلل يديه وفي رواية له قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا فيتوضأ فمسح رأسه بما فضل في يديه ومسح هكذا ووصف ابن داود قال : بيديه من مؤخر رأسه إلى مقدمه ثم رد يديه من مقدم رأسه إلى مؤخره انتهى .

قلت : ابن عقيل هذا قد اختلف الحفاظ في الاحتجاج بحديثه ، وذكر الترمذي حديث عبد الله بن زيد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه من رواية ابن لهيعة عن حبان بن واسع ، قال ورواية عمرو بن الحارث عن حبان بن واسع أصح لأنه قد روى من غير وجه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لرأسه ماء جديدا . انتهى

وحديث ابن عقيل هذا في متنه اضطراب لأن ابن ماجه أخرج من طريق شريك عن عبد الله بن عقيل عن الربيع بنت معوذ قالت : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بميضأة فقال : اسكبي ، فسكبت ، فغسل وجهه وذراعيه وأخذ ماء جديدا فمسح به رأسه مقدمه ومؤخره تأوله الحافظ البيهقي على أنه أخذ ماء جديدا وصب نصفه ومسح رأسه ببلل يديه ليوافق ما في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ومسح برأسه بماء غير فضل يديه أخرجه مسلموالمؤلف والدارمي والترمذي وقال حديث حسن صحيح .

وأخرج الطبراني في معجمه حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا أسد بن عمرو عن دهثم عن نمران بن جارية بن ظفرأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خذوا للرأس ماء جديدا والحديث لا يصح لحال دهثم وجهالة نمران . قاله الذهبي .

وقال الحافظ في الإصابة : دهثم بن قران عن نمران بن جارية عن أبيه ولا يعرف له رواية إلا من طريق دهثم ، ودهثم ضعيف جدا.


جاء في رسالة د.خالد بن منصور الدريس آراء المحدثين في الحديث الحسن لذاته ولغيره، ج2، ص.797:

في مساق الحديث عن الترمذي

أخر حديثا عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ أن النبي صلى الله عليه وسلم “مسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه وبأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما”.

 قال بعده “هذا حديث حسن وحديث عبد الله بن زيد” أصح من هذا وأجود إستناداً” والملاحظ هنا أن حديث ابن عقيل وهو متكلم فيه مخالف لأحاديث التقات في أمرين

  1. الأول قوله “بدأ بمؤخر رأسه” والمحفوظ في حديث عبد الله بن زيد “مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه”
  2. الثاني قوله “مسح برأسه مرتين” والمحفوظ من حديث الثقات أن مسح الرأس مرة والعجيب أن الترمذي روى حديث ابن عقيل عن الربيع من طريق آخر وكلا الطريقين صحيح إلى ابن عقيل ولكن بلفظ مسح برأسه ومسح ما أقبل منه وما أدبر، وصدغيه وأذنيه مرة واحدة ثم قال بعده (حديث الربيع حديث حسن صحيح)، مع أنه لا يخفى عليه كلام أهل العلم في ابن عقيل.

 فحسنه أولا مع وجود ما ينكر في متنه ثم صححه ثانيا لما زالت تلك النكارة ودل قوله إن حديث عبد الله بن زيد أصح منه وأجودُ إسناداً، على ترجيح حديثه على حديث ابن عقيل المخالف له فيكون تحسينه هنا لا يدل على الاحتجاج بل على ضعف بعض ما يحسنه عنده رحمه الله.


فتوى إسلام ويب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فإن مسح الرأس على الحالة المذكورة لا يجزئ كما نص على ذلك الشافعية والحنابلة وهو مذهب أبي حنيفة كما ذكر ابن قدامة، أي لا بد من أخذ ماء جديد لمسح الرأس، ولا يجزئ مسحه بما بقي في اليدين من البلل لأنه ماء قد استعمل في رفع الحدث، قال الشافعي في الأم: ولو مسح رأسه بفضل بلل وضوء يديه أو مسح رأسه ببلل لحيته لم يجزه ولا يجزئه إلا ماء جديد. انتهى.

وقال ابن قدامة في المغني: ويمسح رأسه بماء جديد غير ما فضل عن ذراعيه، وهو قول أبو حنيفة والشافعي والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قاله الترمذي. وجوزه الحسن وعروة والأوزاعي لما ذكرنا من حديث عثمان، ويتخرج لنا مثل ذلك إذا قلنا: إن المستعمل لا يخرج عن طهوريته، سيما الغسلة الثانية والثالثة، ولنا: ما روى عبد الله بن زيد، قال: مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بماء غير فضل يديه. وكذلك حكى علي ومعاوية. رواهن أبو داود. قال الترمذي: وقد روي من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لرأسه ماء جديداً. ولأن البلل الباقي في يده مستعمل، فلا يجزئ المسح به، كما لو فصله في إناءٍ ثم استعمله. انتهى.

وعلى هذا.. فلا يصح وضوء من مسح رأسه ببقية بلل غسل اليدين أو غيرهما مثل بلل اللحية، وتعتبر صلاته باطلة تجب إعادتها عند الشافعية والحنابلة والأحناف.

وعليه؛ فإن على الأخ السائل أن يتنبه لهذا الأمر في المستقبل، فإذا توضأ فليأخذ ماء جديداً لمسح رأسه استقلالا، كما أن عليه أن ينبه غيره ممن يراه لا يفعل ذلك. ولبيان كيفية القضاء يرجى الاطلاع على الفتوى رقم: 61320، وللفائدة تراجع الفتوى رقم: 70806، والفتوى رقم: 59455.

أما عند المالكية فإن كان يبقى في اليدين من بقية الماء ما يكفي لمسح الرأس صح الوضوء مع الكراهة ولو لم يأخذ ماء جديداً، بناء على مذهبهم من كراهة الطهارة بالماء المستعمل في الحدث مع وجود غيره، ففي حاشية الدسوقيعلى الشرح الكبير على مختصر خليلويندب تجديد الماء لمسح الرأس، ويكره بغيره كبلل لحيته إن وجد غيره؛ وإلا فلا. انتهى.

وخلاصة القول أن الوضوء على الحالة المذكورة يعتبر غير صحيح عند أكثر أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة، وعليه؛ فلا بد من إعادة الصلوات التي أديت به، ومن أهل العلم من يرى صحته، وبالتالي صحة الصلاة به، فلا تجب الإعادة. هذا مذهب المالكية على التفصيل الذي تقدم عنهم.

والله أعلم.


رأي فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري في شرح ( باب الوضوء ) من كتاب ( بلوغ المرام  ):

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين :

( أما بعد )

فقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه  أنه رأى  النبي صلى الله عليه وسلم :

(  يأخذ لأذنيه ماءً خلاف الماء الذي أخذ لرأسه )  

أخرجه : البيهقي .

وهو عند ( مسلم ) من هذا الوجه بلفظ:

( ومسح برأسه بماء غير فضل يديه )

وهو المحفوظ .

( من الفوائد )

حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه ورد عند البيهقي بلفظ غير الذي ورد عند مسلم ، فالذي عند البيهقي يقتضي أنه:

” يُسن للمتوضئ إذا مسح رأسه أن يأخذ ماء جديدا ليمسح أذنيه “

لظاهر هذا النص ، وقد أخذ بهذه الرواية بعض العلماء فاستحبوا ” أن تمسح الأذنان بماء غير الماء الذي مُسِح به الرأس .

وبعض العلماء رأى : ” أنه لا يستحب مثل هذا ، وإنما يمسح أذنيه بالماء الذي مسح به رأسه “

لأنه الوارد : ” فالنبي صلى الله عليه وسلم ما مسح رأسه بالبلل المتبقي من ماء يده ، وإنما لما غسل يديه أخذ ماءً آخر غير ماء اليدين فمسح برأسه وأذنيه معاً “

وهذا هو الصحيح ، ولذا قال ابن حجر رحمها لله كما هنا ” ( وهو المحفوظ )

و ( المحفوظ ) خلافه ( الشاذ )

والشاذ : هو ما خالف الثقة فيه من هو أوثق منه “

لاسيما وأن الحديث وارد عند مسلم .

فنحن بين أمرين في مثل رواية البيقهي ، مع أننا قررنا أنه لا يؤخذ ماء جديد للأذنين ، وإنما تمسحان بالماء الذي مسح به الرأس ، فماذا نصنع بهذه الرواية ؟

إما أن يقال :

إن ما رواه البيهقي ” شاذ “ كما ذهب إلى ذلك ابن حجر رحمه الله ، ومن ثم تطرح

وإما أن يقال كما هو فحوى كلام الصنعاني رحمه الله في ” سبل السلام “ من أنها ربما تحمل على أنه عليه الصلاة والسلام أخذ ماء جديدا لأذنيه أخذاً طارئا –يعني ليس مستمرا – لأن يديه لما مسح رأسه بهما لم يبق فيها شيء من البلل ” .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد .


مواضيع للقراءة في الباب: [1]


والله أعلى وأعلم

 

رأي واحد حول “حكم مسح الرأس والأذنين بفضل ماء اليدين – فقه الوضوء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s